سياسة

محمد غياث من قيادة «البام» إلى واجهة المعارضة باسم «الأحرار».. رئاسة لجنة العدل والتشريع اختبار جديد لمساره البرلماني

يتجه حزب التجمع الوطني للأحرار إلى إسناد رئاسة لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب إلى محمد غياث، الرئيس السابق للفريق النيابي للحزب، في اختيار يضع اسماً راكم تجربة داخل المؤسسة التشريعية على رأس واحدة من أكثر اللجان البرلمانية ارتباطاً بالنقاش القانوني والسياسي، في مرحلة جديدة يجد فيها الحزب نفسه خارج الأغلبية الحكومية، بعد تراجعه في انتخابات 2026.

وبحسب المعطيات التي أوردتها الصحافة، فإن فريق التجمع الوطني للأحرار قرر الدفع بغياث لرئاسة اللجنة، خلفاً للاتحادي سعيد بعزيز الذي تولى هذه المسؤولية خلال الولاية التشريعية المنتهية، بالتزامن مع انتخاب مكاتب مجلس النواب ورؤساء اللجان الدائمة. ويأتي هذا التوجه في سياق إعادة ترتيب مواقع الفرق البرلمانية، وتحديد المسؤوليات داخل المؤسسة التشريعية وفق الخريطة السياسية الجديدة.

ويحمل المسار الحزبي لمحمد غياث مفارقة تستحق التوقف عندها؛ فقد التحق بالتجمع الوطني للأحرار سنة 2021، قادماً من حزب الأصالة والمعاصرة، الذي كان يشغل داخله عضوية المكتب السياسي. ويعكس هذا الانتقال جانباً من التحولات التي عرفتها مواقع عدد من الفاعلين السياسيين مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وإعادة تشكيل موازين القوى بين الأحزاب، كما يطرح سؤال العلاقة بين التجربة التنظيمية السابقة والتموقع الحزبي الحالي، دون أن يلغي ذلك حق كل فاعل في اختيار الإطار السياسي الذي يواصل من خلاله مساره.

ومنذ التحاقه بحزب التجمع الوطني للأحرار، برز غياث ضمن الواجهة البرلمانية للحزب، وتولى رئاسة فريقه النيابي، كما شغل منصب نائب رئيس مجلس النواب خلال الولاية السابقة. وتمنحه هذه المسؤوليات تجربة في تدبير العمل البرلماني والتنسيق داخل المؤسسات، وهي عناصر يمكن أن تكون ذات أهمية في رئاسة لجنة تضطلع بأدوار تشريعية ورقابية وتناقش نصوصاً قانونية تهم تنظيم العدالة والحياة العامة.

وتكتسي لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان أهمية خاصة داخل مجلس النواب، بالنظر إلى طبيعة الملفات التي تدخل ضمن اختصاصاتها، من دراسة مشاريع ومقترحات القوانين ذات الصلة بالمنظومة القانونية، إلى مناقشة التعديلات المقدمة بشأنها، ومواكبة النصوص المرتبطة بتنظيم العدالة والحقوق والحريات. كما تشكل اللجنة فضاءً مؤسساتياً لتبادل المواقف بين الأغلبية والمعارضة، واختبار قدرة الفرق البرلمانية على تقديم بدائل تشريعية وتجويد النصوص قبل إحالتها على مراحل المصادقة اللاحقة.

ومن هنا، فإن تولي غياث رئاسة هذه اللجنة، إذا جرى تثبيته رسمياً، لن يكون مجرد توزيع للمناصب بين الفرق، بل مسؤولية تتطلب إدارة النقاشات بحياد مؤسساتي، وضمان حق مختلف المكونات في عرض مواقفها، وتدبير الخلافات بشأن مشاريع القوانين وفق المساطر المعمول بها. فموقع رئيس اللجنة يفرض التوفيق بين الأغلبية العددية وحقوق المعارضة، وبين سرعة دراسة النصوص وضمان النقاش الجاد بشأن مضامينها وآثارها القانونية والاجتماعية.

ويأتي هذا التطور في ظرف سياسي مختلف عن الولاية السابقة، بعدما انتقل التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة بحصوله على 66 مقعداً، وفق المعطيات الواردة في الخبر، مقابل 102 مقعد في انتخابات 2021، حين تصدر النتائج وقاد الحكومة. ويضع هذا التراجع الحزب أمام تحدي إعادة تحديد أولوياته وأدوات اشتغاله، والانتقال من تدبير السياسات الحكومية إلى مراقبتها ومساءلة الأغلبية بشأن حصيلتها وبرامجها والتزاماتها.

وفي هذا السياق، اعتبر رئيس الحزب محمد شوكي أن الانتقال إلى المعارضة امتداد طبيعي للممارسة الديمقراطية وفرصة لمواصلة الإسهام في الحياة السياسية والمؤسساتية من موقع مختلف. ويظل التحدي العملي أمام الحزب هو تحويل هذا الموقف إلى ممارسة برلمانية واضحة، تستند إلى الرقابة والمبادرة التشريعية وتقديم البدائل، بدل الاكتفاء بتسجيل المواقف السياسية.

وتزداد أهمية رئاسة لجنة العدل والتشريع بالنظر إلى التنافس بين مكونات المعارضة حول المواقع داخل المجلس، في ظل وجود حزب العدالة والتنمية والحركة الشعبية وتحالف اليسار ومكونات أخرى ضمن صفوفها. ويعكس التنافس على رئاسة اللجنة رغبة الأحزاب في امتلاك مواقع مؤسساتية تتيح لها التأثير في النقاش التشريعي ومتابعة أداء الحكومة، لكنه يضع في الوقت نفسه المسؤول المنتخب أمام ضرورة الفصل بين الانتماء الحزبي ومتطلبات تدبير لجنة يفترض أن تتيح لجميع الفرق فرصاً متكافئة في النقاش.

وبالنسبة إلى غياث، فإن الانتقال من موقع قيادي داخل الفريق النيابي إلى رئاسة لجنة دائمة، في حال تأكيده رسمياً، يمثل محطة جديدة في مساره السياسي، ويضع تجربته السابقة داخل مجلس النواب تحت اختبار مختلف. فنجاح هذه المهمة لن يقاس بالانتماء الحزبي أو بعدد الاجتماعات المنعقدة فقط، بل بمدى احترام المساطر، وجودة النقاش التشريعي، وقدرة اللجنة على دراسة النصوص بعمق، وتدبير التباين بين مواقف الفرق دون إقصاء أو توظيف سياسي للمسؤولية.

وبين تجربة غياث السابقة داخل حزب الأصالة والمعاصرة، والتحاقه بالتجمع الوطني للأحرار سنة 2021، ثم توليه مسؤوليات برلمانية داخل الحزب، تتشكل صورة فاعل سياسي انتقل بين مواقع تنظيمية مختلفة، ويواجه اليوم اختباراً مؤسساتياً جديداً. أما الرهان الأبرز، فيبقى أن تتحول رئاسة لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان إلى فرصة لتعزيز العمل التشريعي والرقابي، بما يخدم جودة القوانين وفعالية المؤسسة البرلمانية، بعيداً عن الحسابات الحزبية الضيقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى