جلالة الملك محمد السادس يفتتح البرلمان اليوم.. المنصوري وأخنوش في واجهة مرحلة سياسية جديدة وخطاب ملكي مرتقب لتحديد أولويات المرحلة

الرباط: فاس 24
تستعد العاصمة الرباط، اليوم الجمعة، لاحتضان الافتتاح الرسمي للدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، برئاسة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في موعد دستوري بارز يأتي بعد الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر الماضي، ويجمع بين انطلاق ولاية برلمانية جديدة والتحولات التي يشهدها المشهد السياسي الوطني مع تعيين رئيسة جديدة للحكومة وتواصل المشاورات لتشكيل الأغلبية المقبلة.
وأعلنت وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة أن جلالة الملك سيترأس افتتاح الدورة بمقر البرلمان، وسيلقي بهذه المناسبة خطاباً سامياً أمام أعضاء مجلسي النواب والمستشارين، سيبث مباشرة عبر الإذاعة والتلفزة ابتداءً من الساعة الثالثة و45 دقيقة بعد الزوال. وفي إطار الاستعدادات التنظيمية لهذه المحطة، وُجهت دعوات إلى البرلمانيين الجدد للحضور إلى مقر المؤسسة التشريعية ابتداءً من الساعة الثانية والنصف بعد الزوال، وفق الإعلان الصادر عن رئاسة مجلسي البرلمان، في إطار الترتيبات المرتبطة بالجلسة الافتتاحية.
وتكتسي هذه الدورة أهمية خاصة، بالنظر إلى أنها تفتتح ولاية تشريعية جديدة بأعضاء أفرزتهم صناديق الاقتراع، في سياق سياسي تتجه فيه الأنظار إلى طبيعة الأغلبية الحكومية المقبلة، والبرنامج الذي ستعتمده لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن انتظارات المواطنين بشأن تحسين الخدمات العمومية وتوسيع فرص الشغل وتعزيز العدالة المجالية.
وتأتي هذه المحطة بعد القرار الملكي الصادر في 29 شتنبر الماضي، حين استقبل صاحب الجلالة الملك محمد السادس بالقصر الملكي بالرباط فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، وعيّنها رئيسة للحكومة بمقتضى الفصل 47 من الدستور، وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، في تطور سياسي بارز يفتح مرحلة جديدة في تدبير الشأن العام بالمملكة.
وتترقب الأوساط السياسية حضور المنصوري إلى جانب عزيز أخنوش، رئيس الحكومة القائمة، الذي يواصل تدبير الشؤون الحكومية في انتظار استكمال تشكيل الحكومة الجديدة وتنصيبها، بما يضمن استمرارية المؤسسات وانتظام عمل الجهاز التنفيذي خلال المرحلة الانتقالية. ويمنح هذا التزامن للافتتاح التشريعي دلالة إضافية، إذ يأتي في وقت تعمل فيه القيادة الحكومية المكلفة على بلورة صيغة الأغلبية المقبلة، بينما يستعد البرلمان الجديد للاضطلاع بمسؤولياته التشريعية والرقابية.
خطاب ملكي في سياق وطني يتطلب تسريع الإصلاح
وبينما ينتظر أن يشكل الخطاب الملكي المحور الأساسي لافتتاح السنة التشريعية، فإن أهمية هذه المناسبة لا تقتصر على بعدها الدستوري والبروتوكولي، بل تمتد إلى ما يمكن أن تحمله من توجيهات استراتيجية للمؤسسة التشريعية وللفاعلين السياسيين بشأن الأولويات الوطنية في المرحلة المقبلة.
ولا يمكن الجزم مسبقاً بمضامين الخطاب قبل إلقائه، غير أن السياق الراهن يجعل ملفات التشغيل، والتنمية الاجتماعية، وإصلاح التعليم والصحة، وتقليص الفوارق المجالية، وتحسين القدرة الشرائية، وتعزيز الاستثمار، من أبرز القضايا التي تستأثر باهتمام الرأي العام وتفرض نفسها على أجندة الحكومة والبرلمان.
ويظل توفير فرص الشغل، ولا سيما لفائدة الشباب، من أبرز التحديات التي تنتظر الحكومة المقبلة، في ظل الحاجة إلى ربط الاستثمار بالنمو الاقتصادي المنتج، وتوسيع فرص الإدماج المهني، وتطوير التكوين بما يستجيب لحاجيات سوق العمل. كما تبرز أهمية تحسين جودة الخدمات الصحية والتعليمية، وتطوير برامج الحماية الاجتماعية، وضمان وصول آثار السياسات العمومية إلى الفئات التي تحتاج إليها، بما يجعل الإصلاح مرتبطاً بنتائج ملموسة في الحياة اليومية للمواطنين.
ومن المنتظر كذلك أن يحظى موضوع التنمية الترابية باهتمام متزايد، بالنظر إلى التفاوتات القائمة بين المجالات الحضرية والقروية، والحاجة إلى تسريع إنجاز البنيات التحتية وتحسين الولوج إلى المرافق الأساسية، مع تعزيز قدرة الجهات والأقاليم على استقطاب الاستثمار وخلق الثروة وفرص العمل. ويظل الأمن المائي، في ظل التحديات المناخية وتزايد الطلب على الموارد، من الملفات الاستراتيجية التي تتطلب استمرار التعبئة والاستثمار في البنيات المائية وتدبير الموارد بكفاءة.
كما تفرض الاستعدادات للاستحقاقات الدولية المقبلة، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، ضرورة مواصلة تطوير البنيات التحتية والنقل والتجهيزات والخدمات، مع الحرص على أن تنعكس هذه الأوراش على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأن تسهم في خلق فرص العمل وتحسين جاذبية المدن والمجالات الترابية.
من التوجيهات الملكية إلى مسؤولية البرلمان والحكومة
وتستند الجلسة الافتتاحية إلى الفصل 65 من الدستور، الذي ينص على افتتاح البرلمان لدورته الأولى يوم الجمعة الثانية من شهر أكتوبر، برئاسة الملك. ويأتي هذا الموعد ليؤكد مكانة المؤسسة التشريعية ضمن البناء الدستوري للمملكة، ويضع النواب والمستشارين أمام مسؤولية مواكبة الأوراش الوطنية من خلال التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية.
ويواجه البرلمان الجديد اختباراً مهماً يتمثل في قدرته على تحويل المطالب الاجتماعية والاقتصادية إلى نقاش مؤسساتي مسؤول، وإنتاج تشريعات تستجيب لحاجيات البلاد، مع ضمان ممارسة المعارضة لأدوارها الرقابية في إطار احترام المؤسسات والقواعد الدستورية. كما ستكون العلاقة بين البرلمان والحكومة المقبلة عاملاً أساسياً في تحديد إيقاع الإصلاح، ومدى قدرة الأغلبية المنتظرة على توحيد مواقفها حول برنامج حكومي واضح وقابل للتنفيذ.
أما رئيسة الحكومة المكلفة، فاطمة الزهراء المنصوري، فتواجه مهمة دقيقة تتمثل في استكمال المشاورات وتشكيل فريق حكومي منسجم، قادر على تحمل مسؤولية تنفيذ الالتزامات السياسية والاستجابة للتحديات القائمة. وستكون المرحلة المقبلة مناسبة لاختبار قدرة الأحزاب المشاركة في الأغلبية على تجاوز الحسابات التنظيمية الضيقة، وتقديم تصور مشترك لأولويات العمل الحكومي، بما يضمن وضوح المسؤوليات وإمكانية تقييم النتائج.
وفي المقابل، يواصل عزيز أخنوش قيادة الحكومة القائمة خلال الفترة الانتقالية، إلى حين استكمال المسار الدستوري لتشكيل الحكومة الجديدة، في وقت يتعين فيه الحفاظ على استمرارية التدبير العمومي وضمان السير العادي للمرافق والمؤسسات.
مرحلة جديدة عنوانها التنفيذ والمحاسبة
وتتجه الأنظار، اليوم، إلى الخطاب الملكي الذي سيفتتح به جلالة الملك محمد السادس السنة التشريعية الجديدة، في انتظار ما سيحمله من توجيهات بشأن الأوراش الوطنية والمسؤوليات الملقاة على عاتق مختلف المؤسسات. غير أن الرهان الأساسي لن يتوقف عند مضمون الخطاب، بل سيمتد إلى قدرة الحكومة والبرلمان والأحزاب السياسية على ترجمة التوجهات الاستراتيجية إلى قرارات وإجراءات عملية.
فالمواطنون ينتظرون نتائج ملموسة في مجالات التشغيل والصحة والتعليم والسكن والقدرة الشرائية، كما يتطلعون إلى إدارة أكثر نجاعة للموارد العمومية، وإلى سياسات تنموية تقلص الفوارق بين الجهات وتمنح الشباب آفاقاً أوسع للمشاركة الاقتصادية والاجتماعية.
وبذلك، يشكل افتتاح البرلمان اليوم محطة مفصلية تتقاطع فيها المؤسسة الملكية والسلطة التشريعية والتحضير لمرحلة حكومية جديدة، في لحظة تحتاج إلى وضوح الأولويات وتنسيق الجهود وتسريع الإصلاحات. وبين التوجيهات الملكية المنتظرة واستكمال تشكيل الحكومة، سيكون معيار النجاح هو مدى القدرة على تحويل الالتزامات إلى إنجازات قابلة للقياس، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الثقة في المؤسسات من خلال خدمة المصالح العليا للوطن والاستجابة للانتظارات المشروعة للمواطنين.






