سياسة

العد العكسي للحسم بفاس.. الدائرتان الشمالية والجنوبية تدخلان الساعات الأخيرة قبل صناديق الاقتراع

دخلت الانتخابات التشريعية بالمغرب، اليوم الثلاثاء 22 شتنبر 2026، ساعاتها الحاسمة، مع اقتراب موعد الاقتراع المقرر غداً الأربعاء، في محطة انتخابية تتجه إليها الأنظار وطنياً ومحلياً، فيما تعيش مدينة فاس بدورها آخر أنفاس الحملة الانتخابية، بعدما لم يعد يفصل المتنافسين عن لحظة الحقيقة سوى ساعات قليلة.

وبفاس، تتركز الأنظار على الدائرتين الشمالية والجنوبية، حيث يتنافس المرشحون على ثمانية مقاعد برلمانية، أربعة مقاعد في كل دائرة، وسط تعدد كبير في اللوائح والهيئات السياسية المشاركة. وتشير المعطيات المتعلقة بالترشيحات إلى وجود 21 لائحة في الدائرة الشمالية و20 لائحة في الدائرة الجنوبية، بما مجموعه 41 لائحة محلية، وهو ما يعكس اتساع رقعة المنافسة الانتخابية داخل العاصمة العلمية.

ومع وصول الحملة إلى يومها الأخير، تبدو الصورة الميدانية أكثر وضوحاً مقارنة ببداية السباق، بعدما تمكن عدد محدود من الأحزاب من فرض حضور يومي ومتواصل عبر الجولات الميدانية واللقاءات التواصلية والاحتكاك المباشر بالناخبين، في وقت ظلت فيه أحزاب أخرى تعتمد على حضور أقل كثافة أو على التواصل الرقمي والأنشطة المحدودة.

الساعات الأخيرة.. كل شيء يعود إلى الصندوق

المشهد الانتخابي في فاس دخل عملياً ما يمكن وصفه بـ”الدورة الأخيرة” من السباق، بعدما استنفدت الأحزاب معظم أوراق الحملة، ولم يعد أمام المرشحين سوى الساعات الأخيرة لتثبيت حضورهم واستكمال التواصل مع الناخبين، قبل أن تدخل المدينة في فترة الصمت الانتخابي وتنطلق عملية الاقتراع.

وإذا كانت المتابعة الميدانية خلال الأيام الماضية قد أظهرت وجود خمسة أحزاب على الأقل أكثر حضوراً من غيرها، فإن ذلك لا يعني بالضرورة حسم ترتيب النتائج أو المقاعد، لأن كثافة النشاط الانتخابي لا تمثل وحدها معياراً لقياس اتجاهات التصويت، فيما يظل القرار النهائي بيد الناخبين داخل مكاتب الاقتراع.

وتزداد أهمية هذه المعادلة في فاس بالنظر إلى طبيعة المنافسة داخل الدائرتين، إذ إن الفارق بين الفوز بمقعد وعدم بلوغ العتبة اللازمة قد يرتبط بعدد محدود من الأصوات، وهو ما يجعل الساعات الأخيرة، ثم يوم الاقتراع وفرز الأصوات، حاسمة في تحديد الخريطة النهائية.

أربعة مقاعد في كل دائرة.. ومنافسة مفتوحة حتى آخر ورقة

في الدائرة الشمالية، التي تضم مقاطعات فاس المدينة والمرينيين وزواغة، تتنافس 20 لائحة على أربعة مقاعد، فيما تعرف الدائرة الجنوبية، التي تشمل أكدال وسايس وجنان الورد إلى جانب أولاد الطيب وسيدي احرازم وعين البيضا، منافسة بين 21 لائحة على أربعة مقاعد أيضاً.

وتمنح هذه التركيبة الانتخابات في فاس طابعاً خاصاً، إذ لا يتعلق الأمر فقط بعدد الأحزاب المشاركة، وإنما بقدرتها على تحويل الحضور التنظيمي والميداني إلى أصوات فعلية يوم الاقتراع.

وتحمل نتائج انتخابات 2021 بدورها دلالة على أن الخريطة الانتخابية في فاس قابلة للتغير، بعدما توزعت المقاعد الأربعة في فاس الشمالية آنذاك بين التجمع الوطني للأحرار وجبهة القوى الديمقراطية والاستقلال والأصالة والمعاصرة، بينما آلت مقاعد فاس الجنوبية إلى التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

لكن نتائج 2021 لا يمكن اعتبارها نسخة مسبقة من استحقاق 2026، خصوصاً مع تغير المرشحين، وتبدل المعطيات السياسية، وظهور وجوه جديدة، وتغير درجة الحضور الميداني للأحزاب، فضلاً عن أن الناخب الفاسي هو صاحب الكلمة النهائية داخل الصندوق.

المشاركة.. السؤال الأصعب في انتخابات فاس

وبالتوازي مع المنافسة على المقاعد، تراقب السلطات والأحزاب والمرشحون مؤشراً آخر لا يقل أهمية، يتعلق بنسبة المشاركة في الاقتراع.

وتكتسب المشاركة أهمية خاصة في هذه الانتخابات، لأن ارتفاع عدد المصوتين يمكن أن يعيد تشكيل حجم الأصوات التي تحتاجها اللوائح المتنافسة للوصول إلى المقاعد، فيما قد تؤدي مشاركة محدودة إلى تركيز أكبر للأصوات لدى الكتل الانتخابية الأكثر انتظاماً في الحضور.

ولا يمكن في هذه المرحلة الجزم بنسبة المشاركة التي ستسجلها فاس، كما أن أي حديث عن نسبة مرتقبة يظل مجرد تقدير ميداني لا يعوض الرقم الرسمي الذي سيصدر بعد انتهاء عملية التصويت واحتساب النتائج.

وتكمن صعوبة المهمة بالنسبة للأحزاب في تحويل الحملة الانتخابية إلى مشاركة فعلية، خصوصاً بعدما شهدت الأسابيع الأخيرة تفاوتاً واضحاً في الحضور الميداني بين الأحزاب واللوائح. ولذلك فإن الساعات الأخيرة لا تتعلق فقط بإقناع المترددين، وإنما أيضاً بقدرة التنظيمات السياسية على الحفاظ على التواصل وتحويل أنصارها إلى ناخبين يوم الاقتراع.

غداً.. صناديق الاقتراع تحسم ما لم تحسمه الحملة

على المستوى الوطني، تشير المعطيات الرسمية إلى أن انتخابات 23 شتنبر 2026 تعرف مشاركة 28 حزباً، إلى جانب لائحتين لمرشحين غير منتمين، للتنافس على 395 مقعداً، فيما بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة 15 مليوناً و801 ألف و162 ناخباً وناخبة، وقدمت 1850 لائحة ترشيح بمجموع 7288 ترشيحاً.

أما في فاس، فقد تحولت الأيام الأخيرة إلى سباق مع الزمن، حيث تحاول الأحزاب والمرشحون استثمار ما تبقى من ساعات قبل إغلاق الحملة عند منتصف ليلة الثلاثاء، فيما ينتقل مركز الثقل ابتداءً من الغد من الشارع واللقاءات والجولات إلى مكاتب التصويت وصناديق الاقتراع.

وبذلك تدخل فاس، اليوم، آخر دورة في السباق الانتخابي، بعدما انتهت تقريباً مرحلة رفع الشعارات وتقديم الوعود، وبدأت مرحلة اختبار القوة الانتخابية الحقيقية لكل لائحة.

وقد تبدو بعض ملامح المنافسة أكثر وضوحاً في الميدان، وقد تتشكل لدى المتابعين انطباعات حول الأحزاب الأكثر حضوراً، غير أن صناديق الاقتراع وحدها تملك صلاحية تحويل تلك الانطباعات إلى نتائج رسمية.

ففي نهاية المطاف، ستتوقف معركة المقاعد الثمانية على الأصوات التي سيدلي بها الناخبون في الدائرتين الشمالية والجنوبية، بينما ستظل نسبة المشاركة هي أحد أبرز مفاتيح قراءة الخريطة الجديدة لفاس بعد إغلاق مكاتب التصويت وبدء عملية الفرز.

منتصف الليلة، تنتهي الحملة وتنتهي معها الحسابات والتقديرات، ويبدأ دور الناخب الفاسي، لتصبح الكلمة الأخيرة لصناديق الاقتراع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى