مجتمع

دخول مدرسي ساخن بفاس-مكناس.. مقاعد شاغرة تتحول إلى معركة يومية والأكاديمية تواجه ضغط مليون تلميذ

دخل الموسم الدراسي 2026-2027 بجهة فاس-مكناس على إيقاع ضغط متزايد داخل عدد من المؤسسات التعليمية، بعدما وجدت أسر نفسها أمام صعوبات في تسجيل أبنائها أو ضمان مقاعد دراسية قريبة من مقرات سكناها، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين والمديريات الإقليمية من أجل معالجة الاختلالات المرتبطة بالعرض المدرسي والاكتظاظ وتدبير الخصاص والفائض في الموارد البشرية.

ولا تبدو حجم التحديات بسيطة بالنظر إلى الكتلة التلاميذية التي تستقبلها الجهة، إذ أعلنت الأكاديمية أن أكثر من مليون تلميذ وتلميذة سيلتحقون بمختلف المؤسسات التعليمية بجهة فاس-مكناس خلال الموسم الجديد، يؤطرهم أكثر من 39 ألف أستاذ وأستاذة، بالتزامن مع إحداث 49 مؤسسة تعليمية جديدة وإضافة أكثر من 250 حجرة دراسية إلى المؤسسات القائمة.

ورغم هذه الأرقام، التي تعكس حجم المجهود المبذول لتوسيع العرض المدرسي، فإن الأيام الأولى من الدخول المدرسي كشفت استمرار ضغط كبير على بعض المؤسسات، خصوصاً بالمناطق التي تعرف نمواً ديموغرافياً وطلباً متزايداً على التمدرس، وهو ما جعل مسألة الحصول على مقعد دراسي تتحول بالنسبة إلى بعض الأسر إلى ملف يومي يتطلب التنقل بين المؤسسات والمديريات بحثاً عن حلول.

وتتداخل في هذه الوضعية عدة عوامل، من بينها ارتفاع أعداد التلاميذ في بعض المجالات، وعدم توازن العرض المدرسي بين الأحياء والمناطق، إلى جانب إشكالية توزيع الموارد البشرية وتدبير الفائض والخصاص، وهي ملفات جعلتها الأكاديمية ضمن أولويات الاستعداد للدخول المدرسي الحالي، إلى جانب توسيع العرض المدرسي ومحاربة الاكتظاظ وتعزيز الدعم المدرسي والتربوي.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه الوزارة أن الدخول المدرسي انطلق وفق البرمجة الزمنية الرسمية، حيث كانت الانطلاقة الفعلية والإلزامية للدراسة محددة يوم الاثنين 7 شتنبر 2026، فإن التحدي الحقيقي بالنسبة إلى الأسر والمؤسسات لا يرتبط فقط بموعد فتح الأبواب، وإنما بمدى قدرة المنظومة على ضمان مقعد لكل تلميذ وظروف تمدرس مستقرة منذ الأيام الأولى.

وتبرز تازة كواحدة من النقاط التي شهدت نقاشاً قوياً حول تدبير الدخول المدرسي، بعدما عقدت النقابات التعليمية الأربع الأكثر تمثيلية بالإقليم اجتماعاً للجنة الإقليمية المشتركة، استغرق أكثر من ست ساعات، وخصص لعدد من الملفات المرتبطة بالدخول المدرسي، وفي مقدمتها تدبير الفائض والخصاص والإجراءات التنظيمية التي أثارت، بحسب النقابات، انشغالات واسعة داخل الأسرة التعليمية.

وتتجاوز تداعيات هذا الملف الجانب الإداري المحض، لأن طريقة تدبير الموارد البشرية تنعكس مباشرة على الأقسام الدراسية، وعلى إمكانية توزيع التلاميذ بشكل متوازن، وعلى حجم الاكتظاظ داخل الحجرات، فضلاً عن قدرة المؤسسات على ضمان الزمن المدرسي الكامل. ولهذا فإن أي تأخر في حسم وضعية الأساتذة أو إعادة توزيعهم يمكن أن يتحول سريعاً إلى ضغط إضافي على المؤسسات والأسر معاً.

وفي مكناس، كانت السلطات التعليمية قد عقدت لقاءات تحضيرية قبل انطلاق الدراسة، جرى خلالها الوقوف على عدد من الإكراهات التي تعرفها بعض المؤسسات والقطاعات المدرسية، والبحث عن التدابير الكفيلة بمعالجتها قبل الانطلاقة الفعلية للموسم الدراسي، بما يؤكد أن تدبير الدخول لم يكن ملفاً عادياً بالنسبة إلى المؤسسات ذات الضغط المرتفع.

وفي المقابل، تحاول الأكاديمية تقديم صورة مغايرة تقوم على التعبئة والتنسيق وتوسيع العرض، حيث واصلت، بالتزامن مع بداية الموسم، عقد لقاءات مع هيئة التفتيش والمراقبة والتقييم ومع جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ، بهدف تتبع ظروف الدخول المدرسي ومعالجة الإكراهات وتعزيز التواصل مع مختلف شركاء المنظومة. وأكدت الأكاديمية أن من بين أولوياتها توسيع شبكة مؤسسات الريادة، وتوفير الموارد البشرية، ومحاربة الاكتظاظ، وتعزيز الدعم المدرسي والتربوي.

كما أن افتتاح مؤسسات جديدة يشكل أحد الأوراش التي تراهن عليها الأكاديمية لتخفيف الضغط، إذ شهدت جهة فاس-مكناس خلال هذا الدخول المدرسي فتح مؤسسات جديدة، من بينها مدرسة الجنان الابتدائية بجماعة عين الشقف بإقليم مولاي يعقوب، التي فتحت أبوابها لأول مرة أمام التلاميذ مع بداية الموسم الدراسي.

غير أن الرهان المطروح اليوم لا يختزل في عدد المؤسسات الجديدة أو الحجرات المضافة، وإنما في مدى قدرة هذه البنيات على مواكبة التوسع الديموغرافي وتوزيع التلاميذ بشكل يحد من الفوارق بين المؤسسات، ويمنع انتقال الضغط من مؤسسة إلى أخرى. فإضافة مئات الحجرات تبقى خطوة مهمة، لكنها تحتاج إلى موارد بشرية كافية وتوزيع متوازن للمتعلمين حتى تتحول فعلياً إلى تخفيف للاكتظاظ.

وبالنسبة إلى الأسر، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً هو ضمان تسجيل الأبناء في ظروف واضحة وسريعة، خصوصاً بالنسبة إلى الأسر التي لم تجد مكاناً في المؤسسات القريبة أو التي اصطدمت بإشكالات مرتبطة بالطاقة الاستيعابية أو بإعادة التوجيه وتدبير المقاعد المتاحة.

أما بالنسبة إلى الأسرة التعليمية، فإن معالجة الاكتظاظ لن تكون منفصلة عن حسم ملفات الخصاص والفائض والحركات وإسناد الأقسام، وهي ملفات ظلت خلال السنوات الأخيرة من أكثر النقاط حساسية في العلاقة بين الإدارة والنقابات.

وبذلك، تجد أكاديمية فاس-مكناس نفسها أمام دخول مدرسي يحمل عنوانين متوازيين: مجهود مؤسساتي واضح لتوسيع العرض واستقبال أكثر من مليون تلميذ، مقابل ضغط ميداني لا تزال بعض الأسر والأطر التعليمية تشعر بتداعياته في عدد من المؤسسات والمناطق.

ومع استمرار الدراسة، ستتجه الأنظار إلى قدرة الأكاديمية والمديريات الإقليمية على امتصاص هذا الضغط خلال الأسابيع الأولى، خصوصاً عبر تسريع معالجة ملفات التسجيل، وإعادة توزيع الموارد البشرية، وضبط البنيات التربوية، وتخفيف الاكتظاظ في المؤسسات التي تجاوزت طاقتها الاستيعابية، حتى لا يتحول الدخول المدرسي من مجرد محطة تنظيمية إلى أزمة مستمرة بالنسبة إلى الأسر والتلاميذ والأطر التعليمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى