تقرير: تحسين الأجور وحده لا يكفي للحد من هجرة الأطباء المغاربة نحو الخارج

تواصل ظاهرة هجرة الأطباء المغاربة نحو الخارج فرض نفسها كأحد أبرز التحديات التي تواجه المنظومة الصحية في المغرب، في وقت تراهن فيه البلاد على تنزيل ورش إصلاح القطاع وتعميم الحماية الاجتماعية، وهو ما يتطلب تعبئة موارد بشرية كافية لتغطية الطلب المتزايد على الخدمات العلاجية.
وعلى الرغم من التدابير الحمائية والتحفيزية التي أقرتها الحكومة المغربية مؤخراً، وفي مقدمتها رفع أجور الأطباء وتقليص مدة الدراسة بكليات الطب من سبع إلى ست سنوات، تشير المعطيات الميدانية إلى استمرار تدفق الكفاءات الطبية نحو دول الاستقطاب التقليدية مثل فرنسا، بلجيكا، ألمانيا، وكندا.
أرقام ومؤشرات حول حجم الخصاص والهجرة
وفقاً للمعطيات الصادرة عن الهيئة الوطنية للطبيبات والأطباء، فإن المؤشرات الرقمية تعكس فجوة واضحة بين العرض والطلب في الموارد البشرية الطبية:
-
معدل الهجرة السنوية: يغادر المغرب ما بين 600 و700 طبيب سنوياً للعمل في الخارج.
-
الأطباء الممارسون بالمغرب: يبلغ عددهم حالياً نحو 32 ألف طبيب في القطاعين العام والخاص.
-
حجم الخصاص: تحتاج المنظومة الصحية الوطنية إلى نحو 32 ألف طبيب إضافي لتلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين (ما يعني ضرورة مضاعفة العدد الحالي).
-
الأطباء المغاربة بالخارج: تشير التقديرات إلى وجود أزيد من 20 ألف طبيب مغربي يمارسون مهنتهم خارج المملكة.
وفي هذا الصدد، أفاد رئيس الهيئة الوطنية للطبيبات والأطباء، أن القانون الرامي إلى تسهيل عودة الأطباء المغاربة المقيمين بالخارج واستقطاب الأطباء الأجانب لم يحقق بعد النتائج المرجوة، حيث ما تزال طلبات الالتحاق المسجلة محدودة مقارنة بالتسهيلات الواسعة وفرص الاندماج المهني التي تتيحها الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية للأطباء المغاربة.
ظروف العمل ودوافع الهجرة
يرى فاعلون في قطاع الصحة أن معالجة الأزمة لا تقتصر على تحسين الدخل المادي للأطباء، بل ترتبط أساساً بالبيئة المهنية العامة.
-
ضغط العمل المرتفع: تعاني المستشفيات العمومية من ضغط مستمر واكتظاظ، مما يترتب عنه مضاعفة ساعات المداومة للأطباء الممارسين لتغطية العجز البشري.
-
ضعف التجهيزات والمستلزمات: تواجه بعض المؤسسات الاستشفائية تقادم الأجهزة الطبية أو تعطلها، فضلاً عن النقص الدوري في الأدوية الأساسية، مما يحد من قدرة الأطباء على تقديم رعاية صحية ذات جودة ويضعهم في مواجهة مباشرة مع المرتفقين.
-
آفاق التطور العلمي: يفضل عدد من الأطباء، وبخاصة الخريجون الجدد، الاستقرار بالخارج للاستفادة من ظروف أفضل للبحث العلمي والتكوين المستمر والترقي المهني.
تقييم الفاعلين لنجاعة الإجراءات الحكومية
تتباين الآراء المهنية حول مدى فاعلية الخطوات الرسمية المتخذة للحد من الهجرة واستقطاب الكفاءات:
-
منظور تفاؤلي بالمدى المتوسط: تعتبر الهيئة الوطنية للأطباء أن توسيع شبكة كليات الطب والرفع من طاقة الاستيعاب وتوفير مسالك جديدة للتخصص داخل المغرب هي خطوات هيكلية بدأت تضع الأسس الصحيحة لتجاوز الأزمة، متوقعة أن تظهر الآثار الإيجابية لهذه الإصلاحات على مستوى سد الخصاص في غضون 4 إلى 5 سنوات.
-
منظور نقدي يطالب بإصلاح شامل: تؤكد الهيئات النقابية والحقوقية بالقطاع أن تحسين الأجور (عبر إقرار الرقم الاستدلالي 509) يمثل إجراءً إيجابياً، لكنه يظل غير كافٍ ما لم يرافقه تأهيل شامل للمستشفيات وتحديث آلياتها وتوفير بيئة عمل محفزة ومستقرة، محذرة في الوقت نفسه من توسع ظاهرة الاستقطاب الخارجي لتشمل الممرضين والتقنيين الصحيين.






