سياسة

بعد إسدال الستار على الولاية التشريعية 2021-2026.. هل دخلت الحكومة فعلياً مرحلة تصريف الأعمال في انتظار انتخابات أكتوبر؟

بإسدال مجلس النواب، يوم الإثنين الماضي، الستار على آخر جلسة تشريعية في الولاية البرلمانية 2021-2026، تكون الحياة السياسية المغربية قد دخلت عملياً مرحلة جديدة عنوانها الاستعداد للاستحقاقات التشريعية المقبلة، وسط تساؤلات متزايدة حول طبيعة الأدوار التي ستضطلع بها الحكومة خلال الأشهر الفاصلة عن انتخابات أكتوبر المقبل، وما إذا كانت ستواصل بنفس الوتيرة تنزيل برامجها وإخراج مشاريع القوانين، أم أنها دخلت، بحكم الواقع السياسي، مرحلة يطغى عليها منطق تدبير المرحلة والاقتصار على تصريف الملفات الجارية.

ورغم أن الدستور المغربي لا ينص على تحول الحكومة إلى “حكومة تصريف أعمال” بمجرد انتهاء الدورة التشريعية أو اقتراب موعد الانتخابات، فإن الممارسة السياسية درجت على أن تعرف هذه المرحلة تراجعاً في المبادرات الكبرى، مقابل التركيز على ضمان استمرارية المرافق العمومية، وتتبع الأوراش المفتوحة، والاستجابة للالتزامات الإدارية والمالية التي لا تحتمل التأجيل، إلى حين إفراز أغلبية جديدة بعد الاقتراع.

ولاية اتسمت بصراعات سياسية أكثر من النقاش العمومي

تميزت الولاية التشريعية المنتهية بسلسلة من التجاذبات السياسية الحادة داخل المؤسسة التشريعية، حيث غلبت لغة المواجهة بين الأغلبية والمعارضة على عدد من الجلسات، في وقت كان فيه الرأي العام ينتظر نقاشات أكثر ارتباطاً بالقضايا اليومية للمواطنين.

ومن بين أبرز العناوين التي طبعت هذه الولاية، بروز مصطلح “الفراقشية” داخل النقاش السياسي والإعلامي، بعد أن تحول إلى أحد أكثر المفاهيم تداولاً في جلسات البرلمان، في سياق السجال حول تضارب المصالح وارتفاع أسعار اللحوم الحمراء، وهو السجال الذي طغى لفترات طويلة على النقاش العمومي.

كما شهدت المؤسسة التشريعية ملاسنات سياسية متكررة، واتهامات متبادلة بين مكونات الأغلبية والمعارضة، في مقابل ملاحظات متزايدة بشأن محدودية الترافع حول عدد من الملفات الاجتماعية المرتبطة بالقدرة الشرائية، والتشغيل، والتعليم، والصحة، والتنمية المجالية.

هل تستمر الحكومة في ممارسة كامل اختصاصاتها؟

من الناحية الدستورية، تحتفظ الحكومة الحالية بكامل صلاحياتها إلى غاية تعيين حكومة جديدة من قبل جلالة الملك بعد إعلان النتائج النهائية للانتخابات التشريعية وتشكيل الأغلبية الحكومية.

وبالتالي، فإنها تظل قادرة قانونياً على عقد المجالس الحكومية، واتخاذ القرارات الإدارية، وإصدار المراسيم التنظيمية، وتتبع تنفيذ المشاريع والأوراش المفتوحة، فضلاً عن ممارسة اختصاصاتها في تدبير الشأن العام.

غير أن الأعراف السياسية تجعل الحكومات، خلال الأشهر الأخيرة التي تسبق الانتخابات، أكثر تحفظاً في اتخاذ القرارات ذات الطابع الاستراتيجي أو تلك التي قد ترتب التزامات بعيدة المدى، إلا إذا كانت مرتبطة باستمرارية الدولة أو بتنفيذ التزامات قانونية أو مالية قائمة.

لقاء وزير الداخلية مع الأحزاب… انطلاق العد العكسي للانتخابات

ويأتي الاجتماع الذي عقده وزير الداخلية، أمس، مع الأمناء العامين وقادة الأحزاب السياسية، ليؤكد أن الدولة دخلت فعلياً مرحلة الإعداد المؤسسي للاستحقاقات التشريعية المقبلة.

وشكل اللقاء محطة مهمة، حيث قدم وزير الداخلية مختلف الترتيبات المرتبطة بالعملية الانتخابية، كما أعلن عن التوجيهات الملكية المتعلقة بإحداث لجنة مركزية لتتبع الانتخابات داخل وزارة الداخلية، بما يضمن التنسيق المحكم لمختلف مراحل العملية الانتخابية.

ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة بالنظر إلى أن وزارة الداخلية، باعتبارها قطاعاً سيادياً، تضطلع بدور تنظيمي وإداري في الإشراف على الجوانب اللوجستية والقانونية للعملية الانتخابية، في إطار الاختصاصات المخولة لها قانوناً، مع احترام الضمانات التي يكفلها الدستور.

وفي السياق نفسه، تضطلع رئاسة النيابة العامة، باعتبارها مؤسسة مستقلة عن السلطة التنفيذية، بدورها في السهر على التطبيق السليم للقانون، والتفاعل مع الشكايات المتعلقة بالجرائم الانتخابية، بما يعزز ضمانات النزاهة والشفافية خلال مختلف مراحل الاستحقاقات.

مؤسسات الدولة مستمرة… والانتخابات شأن مستقل عن الحكومة

المرحلة الحالية تؤكد مرة أخرى أن تدبير الانتخابات في المغرب يتم عبر مؤسسات الدولة المختصة، كل حسب صلاحياته الدستورية والقانونية، بما يعكس الفصل بين الاختصاصات.

فوزارة الداخلية تواكب الجوانب التنظيمية والإدارية، فيما تضطلع السلطة القضائية والنيابة العامة بمراقبة احترام القانون، بينما تمارس الأحزاب السياسية أدوارها في التأطير والتنافس الانتخابي، تحت إشراف المؤسسات المختصة.

الأشهر المقبلة… تدبير المرحلة أكثر من إطلاق أوراش جديدة

ويرجح عدد من المتابعين أن تتجه الحكومة خلال ما تبقى من عمرها إلى استكمال تنفيذ البرامج التي دخلت مراحلها النهائية، ومواصلة الأوراش المفتوحة، وضمان السير العادي للإدارة العمومية، مع تقليص المبادرات السياسية الكبرى، خاصة في ظل انشغال الأحزاب بالتحضير للاستحقاقات الانتخابية.

كما أن جدول أعمال الحكومة خلال هذه المرحلة قد يركز على الملفات المستعجلة، والالتزامات المالية والإدارية، ومواصلة تنزيل المشاريع التي سبق إطلاقها، دون الدخول في إصلاحات كبرى قد تترك للحكومة المقبلة.

بداية مرحلة سياسية جديدة

ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، تدخل الساحة السياسية مرحلة تتسم بارتفاع منسوب الحركية الحزبية، وإعادة ترتيب التحالفات، وإعداد البرامج الانتخابية، في أفق التنافس على قيادة الحكومة المقبلة.

وبين حصيلة ولاية تشريعية طبعتها نقاشات حادة وسجالات سياسية متواصلة، وبين رهانات المرحلة المقبلة، يبقى التحدي الأكبر هو قدرة الفاعلين السياسيين على استعادة ثقة المواطنين، عبر تقديم برامج واقعية، وتعزيز جودة النقاش العمومي، وجعل البرلمان المقبل فضاءً أكثر انشغالاً بقضايا التنمية والعدالة الاجتماعية والقدرة الشرائية، وهي الملفات التي تظل في صدارة انتظارات المغاربة مع اقتراب محطة انتخابية جديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى