سياسة

مع اقتراب انتخابات 2026.. هل تتحول المشاريع التنموية بجهة فاس ـ مكناس إلى أدوات للدعاية السياسية؟ دعوات لرفع درجة اليقظة ومنع أي توظيف انتخابي للمال العام

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في شتنبر 2026، بدأت مؤشرات الحراك الانتخابي المبكر تظهر في عدد من جهات المملكة، ومن بينها جهة فاس ـ مكناس، التي تشهد خلال الأشهر الأخيرة إطلاق وتسريع عدد من المشاريع التنموية الكبرى، سواء في مدينة فاس أو مكناس أو تازة أو صفرو أو الحاجب أو إفران أو تاونات، في إطار برامج عمومية ممولة من الدولة والجماعات الترابية وشركائها.

غير أن هذا الزخم التنموي، الذي يفترض أن يشكل مكسبا للساكنة، يثير في المقابل نقاشا متزايدا حول ضرورة تحصين هذه المشاريع من أي توظيف انتخابي، خصوصا مع شروع عدد من الفاعلين السياسيين والمنتخبين في تكثيف حضورهم الميداني، تزامنا مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة.

وتتزايد، في هذا السياق، الدعوات إلى رفع مستوى اليقظة من قبل السلطات الترابية ومصالح وزارة الداخلية، من أجل ضمان احترام مبدأ الحياد، والتصدي لأي محاولة لاستغلال الأوراش العمومية أو نسب المشاريع الممولة من المال العام إلى أشخاص أو هيئات سياسية بعينها.

أوراش كبرى… لكنها ملك لجميع المواطنين

تعرف جهة فاس ـ مكناس في المرحلة الحالية دينامية تنموية غير مسبوقة، تشمل مشاريع كبرى في البنيات التحتية، وتأهيل المراكز الحضرية، وتوسعة المحاور الطرقية، وإعادة تهيئة الفضاءات العمومية، وتطوير شبكات النقل والتجهيزات الرياضية والثقافية، إضافة إلى مشاريع مرتبطة بالاستعدادات الوطنية لاحتضان التظاهرات القارية والدولية.

فهذه المشاريع جاءت ثمرة برامج حكومية واتفاقيات تمويل متعددة الأطراف، تشارك فيها قطاعات وزارية ومؤسسات عمومية ومجالس منتخبة، وتمول من المال العام، وهو ما يجعلها ملكا لجميع المواطنين، وليست إنجازا شخصيا لأي منتخب أو مسؤول.

ومن هذا المنطلق، فإن أي محاولة لتقديم هذه الأوراش على أنها إنجاز انتخابي لفرد أو حزب معين من شأنها أن تثير نقاشا حول احترام قواعد التنافس السياسي النزيه.

فاس ـ مكناس… الحاجة إلى يقظة استباقية

ويرى متابعون أن جهة فاس ـ مكناس، بالنظر إلى حجم المشاريع التي تعرفها، ستكون من بين الجهات التي تستوجب أكبر قدر من اليقظة خلال المرحلة المقبلة.

فمع اقتراب موعد الانتخابات، يزداد حضور المنتخبين في تدشين المشاريع وزيارات الأوراش واللقاءات الميدانية، وهو أمر يظل طبيعيا في إطار ممارسة المسؤوليات، غير أن الخط الفاصل بين التواصل المؤسساتي والدعاية الانتخابية ينبغي أن يبقى واضحا، حتى لا تتحول المشاريع العمومية إلى وسيلة لاستمالة الناخبين خارج الإطار القانوني المنظم للحملات الانتخابية.

ولهذا، تبرز أهمية الدور الذي تضطلع به السلطات الترابية في تتبع مدى احترام الضوابط القانونية، والتدخل كلما اقتضى الأمر للحفاظ على تكافؤ الفرص بين جميع الفاعلين السياسيين.

المال العام ليس ملكا لحزب أو منتخب

إن المشاريع التي تشهدها جهة فاس ـ مكناس هي ثمرة مساهمة دافعي الضرائب، ونتاج عمل مؤسسات الدولة والجماعات الترابية بمختلف مكوناتها، سواء من الأغلبية أو المعارضة، إضافة إلى الإدارات والمؤسسات العمومية التي تشرف على الإنجاز والتمويل والتنفيذ.

وبالتالي، فإن نسب هذه المشاريع إلى شخص أو حزب أو تيار سياسي لا يعكس حقيقة مسار اتخاذ القرار العمومي، الذي يقوم على مؤسسات منتخبة، وآليات تصويت، واتفاقيات شراكة، ومراقبة مالية وإدارية.

دور السلطات… الحياد قبل كل شيء

ومع اقتراب موعد الاقتراع، تتعزز الحاجة إلى رفع مستوى اليقظة من طرف وزارة الداخلية والسلطات الإقليمية والمحلية بمختلف أقاليم جهة فاس ـ مكناس، من أجل ضمان احترام مبدأ حياد الإدارة، ومنع أي استغلال محتمل للمشاريع العمومية أو وسائل الجماعات الترابية أو الفضاءات الرسمية في أنشطة قد تحمل طابعا انتخابيا سابقا لأوانه.

فالرهان اليوم لا يقتصر على تنظيم انتخابات في موعدها، بل يتعلق أيضا بتوفير مناخ تنافسي قائم على المساواة بين جميع الفاعلين، بعيدا عن أي توظيف للإمكانات العمومية أو استثمار للإنجازات التنموية في غير الأهداف التي أنجزت من أجلها.

حماية الثقة في المؤسسات

إن الحفاظ على مصداقية المؤسسات يمر عبر الفصل الواضح بين تدبير الشأن العام والعمل الحزبي. فالمواطن ينتظر من المسؤولين مواصلة إنجاز المشاريع وتسريع وتيرتها وتحسين جودة الخدمات، لكنه ينتظر أيضا أن تبقى هذه المشاريع فوق كل الحسابات الانتخابية.

ومع دخول العد العكسي لانتخابات شتنبر 2026، تبدو جهة فاس ـ مكناس أمام محطة دقيقة تتطلب يقظة جماعية، حتى تظل الأوراش التنموية رافعة لخدمة التنمية المحلية، لا مادة للتنافس السياسي قبل انطلاق الحملة الانتخابية القانونية.

فالانتخابات تُحسم عبر البرامج والاختيارات الحرة للمواطنين، أما المشاريع العمومية فهي ملك لجميع المغاربة، ويجب أن تبقى بعيدة عن كل أشكال التوظيف السياسي أو الانتخابي، حفاظا على نزاهة المسار الديمقراطي، وصونا للمال العام، وترسيخا لمبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى