قضايا

حرائق المغرب… هل دخلنا مرحلة الخطر؟ بين الإهمال والحرارة والاستعدادات المتأخرة

لم تعد الحرائق التي تشهدها عدد من المدن والغابات المغربية خلال الأيام الأخيرة مجرد حوادث موسمية عابرة، بل أصبحت مؤشراً يدعو إلى دق ناقوس الخطر، في ظل توالي اندلاع النيران في مناطق متفرقة، واتساع رقعة المساحات المتضررة، وتزامن ذلك مع ارتفاع درجات الحرارة، وجفاف الغطاء النباتي، وما يرافقه من مخاطر تهدد الإنسان والبيئة والممتلكات.

وفي مشهد مؤلم، تحولت عمليات مكافحة حريق بغابة المعمورة، التابعة لعمالة الصخيرات-تمارة، إلى مأساة بعدما تحطمت طائرة خفيفة تابعة للدرك الملكي كانت تشارك في مهمة استطلاع جوي ورصد بؤر النيران، ما أسفر عن وفاة ربانها، الذي كان يؤدي واجبه الوطني في ظروف ميدانية صعبة. وقد فتحت السلطات المختصة تحقيقاً لتحديد الأسباب والملابسات الدقيقة لهذا الحادث الأليم.

هذا الحادث المأساوي يعكس حجم المخاطر التي أصبحت تواجه فرق التدخل، ويؤكد أن موسم الحرائق الحالي لا يمكن التعامل معه باعتباره موسماً عادياً، بل يستوجب تعبئة استثنائية واستباقية على جميع المستويات.

ولم تقتصر الحرائق على المناطق الغابوية، بل شهدت مدينة فاس خلال الأيام الأخيرة اندلاع عدة حرائق في عدد من المواقع، شملت أراضي مغطاة بالأعشاب اليابسة، كما امتدت النيران في بعض الحالات إلى محيطات سكنية، وسجلت أيضاً حرائق داخل بعض المقابر بسبب كثافة الحشائش الجافة، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة لدى المواطنين، خاصة مع استمرار موجة الحرارة التي تعرفها مختلف مناطق المملكة.

ويجمع عدد من المتابعين للشأن البيئي والجماعات الترابية على أن التساقطات المطرية المهمة التي عرفها المغرب خلال الأشهر الماضية ساهمت في نمو كثيف للأعشاب والنباتات الموسمية، وهو أمر إيجابي من الناحية البيئية، لكنه تحول مع بداية فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة إلى وقود سريع الاشتعال في حال غياب عمليات الصيانة والوقاية.

ففي العديد من المدن، لا تزال مساحات واسعة من الأعشاب اليابسة تغطي جنبات الطرق، والأراضي غير المبنية، ومحيط المؤسسات، والفضاءات العمومية، والمقابر، وضفاف الأودية، وهي مناطق يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى بؤر حرائق، سواء بسبب شرارة صغيرة، أو عقب سيجارة، أو تماس كهربائي، أو أي سبب آخر. ولذلك، لا يمكن الجزم بأن سبب الحرائق هو الأعشاب وحدها، إذ إن تحديد الأسباب يبقى من اختصاص التحقيقات التقنية التي تباشرها الجهات المختصة بعد كل حادث.

غير أن ما لا يختلف حوله اثنان هو أن إزالة هذا الغطاء النباتي الجاف قبل حلول موجات الحر كان من شأنها أن تقلل من سرعة انتشار النيران وحدّة آثارها. ولذلك، يرى العديد من المختصين أن الوقاية لا تبدأ عند اندلاع الحريق، وإنما قبل أشهر، عبر برامج منتظمة لتنقية الفضاءات، وإزالة الأعشاب الجافة، واستعمال الوسائل المناسبة للحد من مخاطر الاشتعال، خاصة في المناطق الحساسة.

وإذا كانت الوكالة الوطنية للمياه والغابات ومختلف المصالح المختصة تبذل جهوداً كبيرة في مجال مراقبة الغابات والتدخل السريع، فإن المرحلة الحالية تفرض توسيع دائرة اليقظة لتشمل أيضاً المجال الحضري وشبه الحضري، حيث أصبحت الحرائق تسجل بوتيرة متزايدة، مهددة الأحياء السكنية والمرافق العمومية والغطاء النباتي داخل المدن.

اليوم، تبدو الحاجة ملحة إلى إعلان حالة استنفار ميداني تشمل مختلف المتدخلين، من سلطات محلية، وجماعات ترابية، ووقاية مدنية، ووكالة المياه والغابات، وشركات التدبير المفوض، مع إطلاق حملات عاجلة لإزالة الأعشاب اليابسة من مختلف الفضاءات العمومية، ومحيط الطرق، والمناطق الغابوية، والمقابر، والأراضي المهملة، قبل أن تتحول إلى مصدر لكوارث يصعب احتواؤها.

كما أن تعزيز المراقبة الميدانية، وتكثيف الدوريات خلال فترات الذروة، واستعمال الطائرات المسيرة وتقنيات الرصد المبكر، وتوعية المواطنين بمخاطر إشعال النار أو التخلص العشوائي من النفايات القابلة للاشتعال، كلها إجراءات أصبحت تفرضها المرحلة.

لقد أظهرت السنوات الأخيرة أن التغيرات المناخية جعلت مواسم الحرائق أطول وأكثر خطورة، وأن التعامل معها بمنطق رد الفعل لم يعد كافياً. فكل دقيقة تسبق اندلاع الحريق قد توفر ساعات من الإخماد، وتحمي أرواحاً، وتحافظ على آلاف الهكتارات من الغابات والحقول، وتجنب البلاد خسائر بشرية ومادية وبيئية جسيمة.

إن الحادث المؤلم الذي أودى بحياة ربان طائرة الدرك الملكي أثناء أداء واجبه، إلى جانب الحرائق التي شهدتها فاس وعدد من المناطق الأخرى، ينبغي أن يشكل جرس إنذار حقيقياً يدفع إلى تعزيز ثقافة الوقاية والاستباق، لأن حماية الغابات والمدن ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب التخطيط، واليقظة، والتدخل المبكر، قبل أن تتحول شرارة صغيرة إلى كارثة كبيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى