البرلمان يصادق على إحداث الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان.. إصلاح مؤسساتي جديد يعيد رسم هندسة التخطيط الترابي بالمغرب

صادق مجلس المستشارين، خلال جلسة تشريعية عُقدت اليوم الإثنين، بالأغلبية على مشروع القانون رقم 64.23 المتعلق بإحداث الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان، في خطوة تشريعية جديدة تروم إعادة هيكلة قطاع حيوي يرتبط بالتخطيط العمراني والسكنى والتنمية الترابية.
وحظي المشروع بموافقة 32 مستشاراً برلمانياً، مقابل امتناع ثمانية أعضاء عن التصويت، في جلسة عرفت تقديم عرض حكومي مفصل حول أهداف الإصلاح ومضامينه الكبرى.
إصلاح مؤسساتي في إطار رؤية شمولية
وخلال تقديمه لمشروع القانون، أكد كاتب الدولة المكلف بالإسكان أديب بن إبراهيم أن هذا النص التشريعي يندرج ضمن ورش إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، الذي يهدف إلى تجاوز الاختلالات الهيكلية وتعزيز نجاعة التدبير العمومي.
وأوضح المسؤول الحكومي أن هذا الإصلاح يأتي تنزيلاً للتوجيهات الملكية السامية الرامية إلى إعادة هيكلة المؤسسات العمومية وتحسين أدائها، بما يضمن تكاملاً أفضل بين مهامها وتدخّلاتها على المستوى الترابي.
كما يرتبط المشروع، بحسب المعطيات المقدمة، بمخرجات جلسة العمل التي ترأسها الملك محمد السادس في أكتوبر 2023 حول قطاع التعمير والإسكان، والتي أوصت بإحداث 12 وكالة جهوية للتعمير والإسكان، في إطار إعادة تنظيم هذا القطاع الحيوي.
نحو جهوية أقوى في تدبير التعمير
ويُعد هذا المشروع خطوة إضافية في مسار تعزيز ورش الجهوية المتقدمة، من خلال نقل جزء مهم من صلاحيات التخطيط والتدبير العمراني من المستوى المركزي إلى المستوى الجهوي.
ويهدف هذا التحول إلى جعل الجهة فضاءً لاتخاذ القرار في قضايا التعمير والإسكان، بما يسمح بملاءمة السياسات العمومية مع الخصوصيات المحلية، وتسريع معالجة الملفات المرتبطة بالاستثمار والتخطيط الحضري والقروي.
وترى الحكومة أن هذه المقاربة من شأنها تحسين جودة الخدمات المقدمة للمرتفقين، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، وضمان تقائية أكبر بين السياسات القطاعية على المستوى الترابي.
إعادة هيكلة شاملة للوكالات وتحسين الحكامة
وينص مشروع القانون على إعادة تنظيم الوكالات المعنية عبر إحداث وكالات جهوية موحدة للتعمير والإسكان، مع تمثيليات على مستوى العمالات والأقاليم، بما يعزز القرب من المواطنين والمستثمرين.
كما يشمل المشروع مراجعة عميقة لاختصاصات هذه الوكالات، بحيث لا تقتصر على التخطيط الحضري، بل تمتد إلى مجالات أوسع تشمل:
- التنمية القروية
- الهندسة الترابية
- الرصد والمراقبة
- الخبرة والدراسات
- دعم الاستثمار وإنعاش العرض الترابي
- المساهمة في محاربة السكن غير اللائق
ويُنتظر أن يتيح هذا التوسيع رؤية أكثر شمولية لعمل هذه المؤسسات، تجعلها فاعلاً محورياً في التنمية الترابية بدل الاقتصار على الأدوار التقنية التقليدية.
تسريع المساطر وتقريب القرار من المواطن
ومن بين المستجدات البارزة في النص الجديد، منح المدير العام للوكالة الجهوية صلاحية التدخل في إطار التحكيم والتسوية الودية للنزاعات التي قد تنشأ بين المرتفقين والإدارات الترابية للوكالة أثناء معالجة طلبات الرخص.
وتراهن الحكومة على هذا الإجراء لتقليص آجال دراسة الملفات، وتخفيف الضغط على المساطر الإدارية، والحد من النزاعات المرتبطة بالتعمير، بما يساهم في تحسين مناخ الاستثمار وتسريع إنجاز المشاريع.
حكامة جديدة وموارد بشرية موحدة
كما يتضمن المشروع مقتضيات تروم تحديث منظومة الحكامة داخل هذه الوكالات، من خلال توحيد الوضعية القانونية للموارد البشرية مع ضمان الحفاظ على الحقوق المكتسبة.
وفي السياق ذاته، ينص النص على تنويع مصادر تمويل الوكالات الجهوية، بما يضمن استقلاليتها المالية وقدرتها على تنفيذ المشاريع الموكولة إليها بفعالية أكبر.
بين الطموح الإصلاحي وتحديات التنزيل
وتعتبر الحكومة أن إحداث هذه الوكالات يمثل خياراً استراتيجياً لإعادة تنظيم قطاع التعمير والإسكان، عبر إرساء مؤسسات جهوية أكثر مرونة ونجاعة، قادرة على مواكبة التحولات العمرانية المتسارعة التي تعرفها مختلف جهات المملكة.
غير أن نجاح هذا الورش سيظل رهيناً بمدى قدرته على تجاوز إكراهات التنسيق بين المتدخلين، وضمان الانسجام بين السياسات العمومية، وتوفير الموارد البشرية والتقنية الكفيلة بتنزيل هذه الرؤية على أرض الواقع.
وبينما تراهن الدولة على هذا الإصلاح لإعادة هيكلة أحد أهم القطاعات المرتبطة مباشرة بحياة المواطنين، يبقى التحدي الأساسي هو تحويل هذا الإطار المؤسساتي الجديد إلى أداة فعالة لتحقيق تنمية ترابية متوازنة، تستجيب لحاجيات المدن كما القرى، وتواكب دينامية الاستثمار والتوسع العمراني بالمغرب.






