أزمة التدبير الجماعي وحتمية البديل المؤسساتي: كيف تفرمل المجالس المنتخبة طموحات تأهيل المدن؟

يتساءل العديد من المواطنين عن السبب الرئيسي الذي يجعل الكثير من المدن المغربية الكبرى والمتوسطة، والتي تعرف كثافة سكانية كبيرة، تعيش على إيقاع الأزمات الهيكلية المتكررة والمشاكل المرتبطة بتدبير الشأن المحلي، وهي معضلات مستمرة لا تجد طريقها للحل رغم حجم الميزانيات المرصودة ورغم وضوح الرؤية الاستراتيجية للدولة.
اليوم، تعاني ساكنة الحواضر من نفس الاختلالات المزمنة، سواء فيما يتعلق بتردي قطاع النظافة، أو تهالك البنى التحتية، أو أزمة النقل الحضري الخانقة، وصولاً إلى فوضى الطرقات واحتلال الملك العام، ناهيك عن العجز الملحوظ في جلب الاستثمارات وفرص الشغل، وغياب مقاولات ومصانع ومشاريع وبرامج تنموية حقيقية تدفع بالمواطنين نحو الاستقرار الاجتماعي والازدهار الاقتصادي.
الفشل السياسي للمنتخبين وعمداء المدن: أين الوعود؟
أمام هذا الوضع المقلق، تجمع القراءات التحليلية للمشهد المحلي على أن المسؤولية الكاملة والخطأ الجسيم يقعان على عاتق المجالس الجماعية المنتخبة، ورؤساء الجماعات وعمداء المدن الذين تم التصويت عليهم لقيادة القاطرة المحلية. فبدل التفرغ لابتكار الحلول وتسيير المرفق العام بمهنية، سقطت العديد من هذه المجالس في مستنقع الصراعات السياسوية الضيقة والمصالح الشخصية والمزايدات الحزبية، مما نتج عنه “جهل وفشل” إداري وتنموي غير مسبوق، يُلزم اليوم بتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة لمساءلتهم عن الوعود الانتخابية التي تبخرت بمجرد اعتلاء الكراسي.
الإدارة الترابية: تنزيل للتوجهات الملكية ومشاريع تنموية رائدة
بالمقابل، يحاول البعض توجيه أصابع الاتهام نحو المسؤولين الترابيين، لاسيما العمال والولاة، بداعي امتلاكهم سلطة الوصاية والاختصاصات الواسعة. غير أن القراءة المنصفة للواقع الميداني تثبت العكس تماماً؛ فالإدارة الترابية برئاسة الولاة والعمال تشكل صمام الأمان والركيزة الأساسية التي تشتغل بروح من المسؤولية والوطنية العالية.
إن هؤلاء المسؤولين المعينين يواصلون الليل بالنهار لتنزيل التوجهات الملكية السامية على أرض الواقع، ويسهرون على إطلاق المشاريع التنموية الكبرى والمتوسطة، وضخ الحيوية في أوراش التحديث التنموي. بل إن تدخل المؤسسة الترابية غالباً ما يكون هو المنقذ لإيقاف نزيف العبث التسييري الذي تخلفه المجالس المنتخبة، مما يوضح أن الخلل ليس في “سلطة الرقابة والوصاية”، بل في “عقم النخب السياسية المحلية” وعجزها عن مجاراة السرعة التنموية التي تفرضها الدولة.
هندسة التغيير: “شركات التنمية المحلية” كبديل وإبعاد المنتخبين عن الصفقات
أمام مقارنة المدن المغربية بنظيراتها الإسبانية، التركية، أو الفرنسية التي حققت طفرات نوعية في التسيير، أصبح من الضروري صياغة “تصور جديد” كلياً لهندسة التدبير الحضري في المملكة. ويتطلب هذا التحول الجذري تبني خيارين أساسيين:
-
أولاً: إبعاد المنتخبين عن صفقات التدبير: لقد أثبتت التجربة أن ترك الملايير والصفقات العمومية الكبرى (كالنقل والنظافة والإنارة و تأهيل الطرق) تحت رحمة لجان يترأسها أو يؤثر فيها منتخبون، يفتح الباب على مصراعيه لشبهات الولاءات، والترضيات، وسوء الحكامة. حان الوقت لرفع يد المنتخب عن الصفقات ومجالات التدبير التقني المعقد لقطع دابر الريع.
-
ثانياً: تسليم الأوراش لشركات التنمية المحلية (SDL): يجب أن تُسند الأوراش المستقبلية والمشاريع الحيوية الكبرى كلياً إلى شركات التنمية المحلية، باعتبارها أذرعاً تنفيذية تجمع بين مرونة تدبير القطاع الخاص والنجاعة التقنية، وتحت الإشراف والتتبع المباشر للإدارة الترابية (الولاة والعمال).
إن الاعتماد على الكفاءات التقنية والتكنوقراطية المؤهلة داخل شركات التنمية المحلية، بعيداً عن تقلبات الخريطة السياسية وأهواء المجالس المنتخبة، هو السبيل الوحيد لإنقاذ المدن من العشوائية، والارتقاء بها لتكون في مستوى التحديات المستقبلية والرهانات القارية والعالمية للمملكة.






