قضايا

قضاة العدوي يستنفرون المؤسسات العمومية ويجمدون التأشيرات على الصفقات الجارية

أطلق المجلس الأعلى للحسابات، تحت قيادة رئيسته زينب العدوي، حملة وطنية واسعة النطاق وغير مسبوقة لتفحص ودراسة الصفقات العمومية الجارية بالمؤسسات والمقاولات العمومية. هذا التحرك الرقابي المكثف أحدث حالة من الارتباك والتوجس داخل الإدارات والمصالح المالية، ودفع بالعديد من الآمرين بالصرف والمدراء العامين إلى اتخاذ قرارات فجائية بتأجيل أو تجميد التأشير على ملفات تقنية ومالية تخص صفقات عمومية تم إبرامها مؤخراً، وذلك خوفاً من السقوط في فخ الملاحظات السلبية وتقارير المساءلة القضائية.

استراتيجية “الرقابة الآنية”: تفكيك الصفقات من المنبع

تتجاوز الحملة الحالية لقضاة المجلس الأعلى للحسابات المقاربة الكلاسيكية القائمة على مراقبة الحسابات بأثر رجعي بعد سنوات من تنفيذها؛ إذ يركز القضاة اليوم على “الرقابة الآنية والمواكبة” لتقييم صفقات السنة المالية الجارية. وتستهدف هذه العمليات الميدانية فحص ثلاثة مستويات رئيسية:

  • هندسة دفاتر التحملات: التحقق من مدى صياغة الشروط التقنية والإدارية بنزاهة وتنافسية، وضمان عدم تفصيلها على مقاس شركات بعينها لإقصاء المنافسين.

  • مطابقة محاضر التسليم: التدقيق الصارم في مدى تطابق المعدات والخدمات والمواد التي تم اقتناؤها ومقارنتها بالمعايير الدقيقة المحددة في العقود، قبل صرف أي درهم من المال العام.

  • تقييم الأثر والجدوى: قياس مدى ملاءمة الكلفة المالية المرصودة مع الجودة الفعلية المنجزة على أرض الواقع من طرف المقاولات المستفيدة.

رعب الكواليس الإدارية: التجميد خوفاً من “الإحراج القضائي”

أرخى هذا الإنزال الرقابي بظلاله على مراكز القرار المالي داخل عدد من المؤسسات والشركات التابعة للدولة. وحسب المعطيات الميدانية، فقد اختار مجموعة من المدراء والمكلفين بصرف النفقات المباشرة إيقاف مساطر التأشير والدفع المالي لصالح شركات خاصة نالت صفقات مؤخراً، وفضلوا إعادة مراجعة كافة الحيثيات القانونية والتقنية داخلياً لملفاتهم.

الهروب إلى الحذر: تجميد التأشيرات من طرف المسؤولين يعكس تخوفاً حقيقياً من “الإحراج الإداري والقضائي” أمام قضاة المجلس. فقد بات صرف المستحقات المالية رهيناً بتدقيق إداري داخلي مضاعف للتأكد من خلو الصفقات من أي ثغرات مسطرية قد تضع المسؤول في خانة التواطؤ أو تبديد المال العام.

قانون الصفقات العمومية الجديد تحت مجهر التنافسية والحكامة

تأتي هذه التحركات القضائية الحازمة لتنزيل مقتضيات المرسوم الجديد المنظم للصفقات العمومية، والذي يراهن على تعزيز الشفافية وتكافؤ الفرص بين المقاولات، وتشجيع الأفضلية الوطنية للمقاولات المتوسطة والصغيرة. ويسعى قضاة المجلس الأعلى للحسابات من خلال تقاريرهم المرتقبة إلى قطع الطريق أمام الممارسات الاحتكارية وتوطيد مبادئ الحكامة المالية الجيدة.

إن حالة الاستنفار الجارية داخل المؤسسات العمومية تؤكد أن قطار الرقابة لم يعد ينتظر تراكم الأخطاء، بل بات يتحرك بآليات استباقية لضمان حماية حقيقية لميزانية الدولة وصيانة حرمة المرفق العام من أي عبث أو تقصير تدبيري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى