أطلال “المدينة المزدهرة” في فاس: عرس ثقافي إيطالي فوق ركام التدبير الجماعي الكارثي

تستعد العاصمة العلمية للمملكة، فاس، لاحتضان الدورة التاسعة من التظاهرة الثقافية الدولية “المدينة المزدهرة” في الفترة الممتدة من 3 إلى 5 يوليوز المقبل، وهي التظاهرة السنوية التي ينظمها الفرع المغربي لمؤسسة فرانشيسكو باولو وأناماريا دوتشي، بشراكة مع المركز الدولي للحوار بين الثقافات، وتحت الرعاية الدبلوماسية لسفارة الجمهورية الإيطالية بالمغرب. وستشهد فعاليات هذه الدورة، التي يحتضنها فضاء “قصر النجوم” التاريخي بفاس، برنامجاً غنياً يجمع بين المحاضرات الأكاديمية لجامعة “لا سابينزا” بروما، والعروض الأوبرالية للسوبرانو ميكيلا أنتينوتشي، ومعارض الفن التشكيلي والطرب الأندلسي؛ غير أن هذا الشعار البراق، “المدينة المزدهرة”، يصطدم على أرض الواقع بمرارة مشهد حضري بائس يعكس فشلاً تدبيرياً ذريعاً للمجلس الجماعي للمدينة.
مفارقة “الازدهار” الثقافي والتصحر الحضري لمنتخبي فاس
من المفارقات الصارخة التي تثير تهكم وحسرة الساكنة الفاسية، أن تُعقد تظاهرة تحمل اسم “المدينة المزدهرة” في حاضرة أجهز مسؤولوها بالكامل على مساحاتها الخضراء وحولوها إلى قفار قاحلة. ويدخل عمدة المدينة، عبد السلام البقالي، ومعه المجالس المنتخبة، هذا الصيف بسجل تدبيري أسود، يعيد إلى الأذهان المشاهد الكارثية للصيف الماضي؛ حين تُرِكت حدائق المدينة وعشبها للموت حرقاً تحت أشعة الشمس، واصفرّت وذبلت الورود التي كبّدت ميزانية المدينة ملايين الدراهم، في هدر فظيع وفاضح للمال العام دون حسيب أو رقيب، وبمنطق استهتاري غابت معه أدنى برامج الصيانة والسقي العقلاني.
ساحة “فلورنسا”.. عنوان التوأمة التي اغتالتها يد الإهمال
إن الحديث عن الرعاية الإيطالية لهذه التظاهرة يجرنا مباشرة إلى النبش في التاريخ الدبلوماسي لمدينة فاس، التي ترتبط باتفاقية توأمة تاريخية مع مدينة “فلورنسا” الإيطالية، عاصمة الفن والجمال في أوروبا؛ لكن كيف ترجم مسؤولو فاس هذه التوأمة على أرض الواقع؟ الجواب تلخصه “ساحة فلورنس” الشهيرة بقلب المدينة النابض، والتي تحولت من فضاء رمزي يجسد الصداقة المغربية الإيطالية إلى عنوان بارز للتهميش، و مركزا للمراحيض المفتوحة و التبول في الهواء الطلق، والتخريب، ونقطة سوداء لتجميع النفايات المنزلية، والخراب البصري. وتطرح الساكنة الفاسية علامات استفهام حارقة ومريبة حول التأخر المجهول والمستمر لعملية تهيئة هذه الساحة، التي أصبحت ورشاً مفتوحاً مع وقف التنفيذ، يغرق في الركود وضبابية الآجال والميزانيات.
منارة تاريخية أطفأها العبث: لقد نجح المسؤولون المتعاقبون على فاس في تحويل علاقات الشراكة والتوأمة مع مدن عالمية كبرى إلى حبر على ورق والتقاط صور تذكارية في الصالونات، بينما على أرض الواقع، تم الإجهاز على كل المبادرات الجمالية التي كان يمكن أن ترتقي بالحاضرة الإدريسية.
عندما تتحول الحاضرة التاريخية إلى مستنقع للحشائش والأزبال
لقد حوّل ضعف الحكامة وغياب الرؤية البيئية لدى المجلس الجماعي الحالي لمدينة فاس من حديقة غناء كانت تسر الناظرين، إلى ما يشبه المستنقع الحضري المفتوح. فبدل أن تغزو الأزهار والورود شوارع المدينة وأحيائها تزامناً مع استقبال ضيوفها الأكاديميين والدبلوماسيين الأجانب، أصبحت فاس مرتعاً للأزبال المتراكمة، والنفايات الهامشية، والحشائش العشوائية الضارة التي احتلت الأرصفة والمدارات الطرقية؛ و الشوارع المظلمة، في مشهد بئيس يسيء لتاريخ المدينة العريق ويهدد سلامة وصحة الساكنة. إن استمرار هذا العبث يثبت أن مجلس البقالي يغرد خارج سرب التنمية والتأهيل الحركي الذي تشهده المملكة، مما يستدعي تدخلاً حازماً من سلطات الرقابة لإعادة القطار إلى سكته قبل أن تتحول “المدينة المزدهرة” في الأدبيات الثقافية إلى نكتة سوداء في واقع الفاسيين اليومي.






