سيف المحاسبة يضرب بقوة.. القضاء يواصل إغلاق الحدود في وجه برلمانيين ومنتخبين تورطوا في ملفات الفساد وهدر المال العام

تشهد الساحة السياسية والإدارية بالمملكة حركية قضائية غير مسبوقة تترجم التوجهات الصارمة الرامية إلى تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحويل شعارات تخليق الحياة العامة إلى واقع ملموس يعيد الثقة في المؤسسات المنتخبة. ولم تعد تدابير المراقبة والتحقيق تقتصر على رصد الاختلالات التدبيرية بعد حدوثها، بل انتقلت السلطات القضائية المختصة، بتنسيق وثيق مع الأجهزة الأمنية والفرقة الوطنية للشرطة القضائية، إلى مرحلة التفعيل الفوري للمساطر الاحترازية، وعلى رأسها إغلاق الحدود ومصادرة جوازات السفر في حق عدد من كبار المنتخبين والبرلمانيين، لضمان سير الأبحاث القضائية وقطع الطريق أمام أي محاولات للتملص من العدالة، وهو ما يعكس تحولاً جذرياً في التعاطي مع ملفات هدر وتبديد المال العام وضمان حماية حقيقية للمقدرات الاقتصادية والتنموية للمواطنين.
تحقيقات النفوذ الترابي والمالي: جهة الرباط-سلا-القنيطرة تحت المجهر القضائي
تتجه الأنظار في الآونة الأخيرة إلى جهة الرباط-سلا-القنيطرة، وتحديداً عاصمة الغرب القنيطرة، حيث باشرت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، بناءً على تعليمات حاسمة ومباشرة من الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، تحقيقات معمقة وشاملة انطلقت من شكاية رسمية ودقيقة تقدم بها برلماني سابق بالمنطقة، كشف من خلالها عن وجود شبهات وتجاوزات جسيمة في تدبير صفقات وتراخيص قطاعات حيوية، وهو ما أفضى في خطوة أولى إلى وضع ثلاثة برلمانيين، من بينهم اسمان بارزان كانا قد أعلنا في وقت سابق اعتزالهما العمل السياسي في محاولة لتفادي الأضواء، رفقة رئيسي جماعتين ترابيتين، تحت تدبير إغلاق الحدود وسحب جوازات سفرهم لمنعهم من مغادرة التراب الوطني إلى حين انتهاء مسار المساءلة. ولم تتوقف هذه الدينامية القضائية عند حدود استنطاق وتطويق المنتخبين فحسب، بل امتدت لتشمل المسؤولين الإداريين والتنفيذيين المشرفين على صناعة القرار الاستثماري والعقاري بالمنطقة، حيث جرى الاستماع بشكل تفصيلي إلى مسؤولين رفيعي المستوى بالوكالة الحضرية للقنيطرة، والمركز الجهوي للاستثمار، ومديرية أملاك الدولة، بالإضافة إلى الخازن الإقليمي، للوقوف على كيفية تمرير القرارات الإدارية والمالية وتحديد المسؤوليات بدقة في هذا الملف الشائك.
محاكم جرائم الأموال: حصار قانوني شامل يمتد عبر جهات المملكة
بالتزامن مع هذه التحركات في محور القنيطرة، تشهد ردهات محاكم جرائم الأموال بكل من جهات الرباط-سلا-القنيطرة، وفاس-مكناس، ومراكش-آسفي، استنفاراً كبيراً من خلال تفعيل إجراءات المنع من السفر في حق قائمة موسعة من المستشارين، والبرلمانيين الممثلين للغرفتين الأولى والثانية، فضلاً عن نحو تسعة رؤساء مجالس جماعية حاليين وسابقين، والذين تلاحقهم تهم ثقيلة تتعلق بالتلاعب بالمال العام وتفويت صفقات عمومية بطرق غير قانونية. وتتسع دائرة المتابعة في هذه الملفات لتضم شبكات متكاملة تتألف من موظفين عموميين، وتقنيين في مجالس جماعية، ومقاولين نالوا صفقات مشبوهة، حيث يواصل قضاة التحقيق استنطاق الدفعة الأولى من هؤلاء المتهمين، والذين تقرر متابعة أغلبهم في حالة سراح مؤقت مع فرض كفالات مالية وإجراءات المراقبة القضائية لضمان مثولهم أمام المحكمة. وتواجه هذه النخب السياسية المتابعة عزلة خانقة بعد أن رفعت الأحزاب السياسية التي ينتمون إليها يدها عنهم، ورفضت بشكل قاطع تنصيب محامين من تنظيماتها لمؤازرتهم، تماشياً مع الالتزامات الرسمية بمحاربة الفساد وتطهير المشهد الحزبي، مما دفع هؤلاء المنتخبين إلى البحث عن دفاع مستقل من خارج دوائرهم السياسية لمواجهة صكوك الاتهام المستندة بشكل أساسي على مقتضيات الفصل 241 من القانون الجنائي.
تداعيات المحاسبة على الخريطة السياسية وسيناريوهات الفراغ التدبيري
أرخت هذه المتابعات القضائية الحازمة بظلالها على الكواليس السياسية، حيث سادت حالة من الترقب والتوجس الشديدين بين كبار المنتخبين والمستشارين الجماعيين بمختلف الأقاليم، خاصة مع توالي سقوط أسماء كانت تعتبر إلى عهد قريب فوق الشبهات، وإيداع بعضها السجون رهن الاعتقال الاحتياطي، مما أدى إلى بروز ظاهرة التراجع الطوعي عن الترشح للاستحقاقات المقبلة خوفاً من المقصلة القضائية. ويثير هذا المشهد الجديد قراءات تحليلية متباينة بين المتتبعين للشأن العام، إذ في الوقت الذي يرى فيه الكثيرون أن هذه الحملة تشكل خطوة تصحيحية ضرورية لتطهير المجالس المنتخبة وضخ دماء جديدة تتسم بالنزاهة والكفاءة، يتخوف آخرون من حدوث فراغ في الساحة الانتخابية قد تستغله تيارا أخرى تحاول إعادة إنتاج نفسها من خلال ركوب موجة “المظلومية السياسية” ورفع شعارات النزاهة والحكامة الجوفاء لكسب عطف القواعد الانتخابية، غير أن المؤشر الثابت الذي تكرسه المؤسسة القضائية حالياً يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، ليؤكد أن مسار محاربة تبديد الأموال العامة قد اتخذ منحى تصاعدياً وجدياً لا يقبل التراجع، بهدف صيانة حرمة المال العام وضمان التنزيل السليم للمشاريع التنموية.






