من يسيطر على صفقات “إغراق” المدن المغربية بالنخيل؟.. هل ستواصل “شركة فاس الجهة للتهيئة” غرس أشجار صديقة للبيئة

لم يعد مشهد صفوف النخيل الشاهقة، التي تنتصب كأعمدة إسمنتية جافة في شوارع وساحات كبريات الحواضر المغربية، مجرد خيار تجميلي عابر، بل تحول إلى ظاهرة تثير الكثير من علامات الاستفهام والجدل البيئي والاقتصادي. ففي الوقت الذي تعاني فيه مدننا من موجات حرارة قياسية وارتفاع ملموس في درجات الحرارة بفعل التغيرات المناخية، يرى خبراء ومواطنون أن الإصرار على “تنميط” المشهد الحضري عبر زرع النخيل الرومي (الواشنطونيا) هو بمثابة “جريمة بيئية صامتة” وتهديد مباشر للمناخ المحلي. هذا الواقع يطرح السؤال الجوهري والمغيب: من يسيطر على صفقات استيراد وغرس النخيل في المغرب، ولصالح من يتم إغراق الشوارع بشجر لا يرحم حر الصيف ولا يمنح الساكنة ظلاً؟
غزو “الواشنطونيا”.. نبتة دخيلة بلا عائد بيئي
على مدى السنوات الأخيرة، تخلت العديد من العمالات و الولايات و المجالس الجماعية وشركات التنمية المحلية عن الهوية البصرية والبيئية الأصيلة للمدن المغربية. فبدل الحفاظ على الأشجار الوارفة التي ميزت الحواضر تاريخياً، تم اللجوء إلى “غرس عشوائي مكثف” لنخيل الزينة، وخاصة نوع “الواشنطونيا” المستورد.
مكمن الخلل هنا، يتجلى في أن النخيل بتركيبته البيولوجية غير مجدٍ بتاتاً للمنظومة البيئية الحضرية خارج الواحات. فالنخلة لا تملك هامة شجرية عريضة، وبالتالي فإن قدرتها على تلطيف الأجواء تكاد تكون منعدمة. وفي عز فصل الصيف، حيث تتجاوز درجات الحرارة في مدننا الداخلية حاجز 44 درجة مئوية، يقف هذا النخيل عاجزاً عن توفير الحد الأدنى من الظل للمارة، ولا يساهم في خفض حرارة الإسفلت والخرسانة التي تحيط به. علاوة على ذلك، فإن المردودية البيئية للنخيل في امتصاص ثاني أكسيد الكربون وإنتاج الأكسجين ضعيفة جداً مقارنة بالأشجار الورقية، مما يجعله عبئاً على المناخ عوض أن يكون حلاً لمواجهة الاحتباس الحراري.
علامات استفهام حول صفقات الاستيراد والمشاتل
إن هذا الإصرار الغريب من طرف مدبري الشأن العام المحلي على اختيار النخيل في كل مشروع لإعادة تهيئة الشوارع، يفتح الباب واسعاً أمام التساؤلات التحليلية حول طبيعة الصفقات العمومية المرتبطة بهذا القطاع. فالأمر يتجاوز “الذوق الجمالي” إلى شبهات تحكمها مصالح تجارية ضيقة ومستفيدة من مشاتل معينة تدر ملايين الدراهم.
سؤال المليون درهم: لماذا تفضل كناش التحملات في صفقات التهيئة الحضرية بالمغرب مادة “النخيل” المرتفعة التكلفة، على حساب الأشجار المحلية والورقية؟ ومن هي الجهات أو الشركات النافذة التي تحتكر صفقات استيراد وتوريد هذه النباتات على الصعيد الوطني؟
العديد من التقارير والمطالب الحقوقية دعت غير ما مرة إلى فتح تحقيق في هذه الصفقات، بالنظر إلى الكلفة المالية الباهظة للنخلة الواحدة والتي قد تعادل ثمن عشرات الأشجار الورقية الصديقة للبيئة، فضلاً عن مصاريف صيانته وسقيه التي تستنزف الفرشة المائية الجوفية للمدن في عز أزمة الجفاف الحادة التي تعيشها المملكة.
تجربة فاس.. بداية قطيعة شجاعة مع “العقيدة النخيلية”
في خضم هذا “الجهل البيئي” المستشري في عدة حواضر، برزت مؤخرا العاصمة العلمية للمملكة ، فاس، كنموذج رائد يسير عكس التيار السائد، محاولاً تصحيح أخطاء الماضي. فمدينة فاس لم تكن بدورها بمنأى عن هذا الغزو؛ إذ تم في فترات سابقة إغراق شوارع كبرى وساحات محورية بها بأشجار النخيل التي بدت غريبة عن النسيج العمراني للمدينة وغير متناغمة مع مناخها القاري الحار جداً صيفاً والبارد شتاءً.
غير أن الوعي الجديد والتحديات المناخية الراهنة فرضت تحولاً جذرياً؛ حيث أقدمت شركة فاس الجهة للتهيئة على خطوة شجاعة بقطعها التام مع استيراد وغرس النخيل في مشاريع التحديث والتأهيل الحالية. وقررت الشركة، في إطار تفعيل استراتيجية التهيئة الحضرية الجديدة، العودة إلى “الأصالة البيئية” عبر اعتماد أشجار صديقة للبيئة والمناخ.
الصفصاف والجاكاراندا.. بدائل تصنع الفارق للساكنة
تعتمد المبادرة الحالية بشوارع فاس المؤهلة على استبدال المنظومة البصرية القديمة بغرس أشجار مثل الصفصاف، والجاكاراندا (Jacaranda) ذات الأزهار البنفسجية الساحرة، وأشجار الدلب (Platanus) وغيرها من الأصناف الورقية الكثيفة.
هذه البدائل لا تمنح الشوارع جمالية بصرية ساحرة ومتجددة عبر فصول السنة فحسب، بل إن عائدها البيئي على الساكنة مباشر وملموس:
-
توفير الظل الوارف: توفر هذه الأشجار مظلات طبيعية عملاقة في فصل الصيف، تحمي الراجلين وتقي الساكنة من لفحات الحرارة المباشرة.
-
تلطيف الأجواء وخفض الحرارة: تساهم عمليات “النتح” (إطلاق بخار الماء من الأوراق) للأشجار الكبيرة بشكل فعال في ترطيب الهواء المحيط، حيث تشير الدراسات البيئية إلى أن الشوارع المشجرة جيداً تكون درجة حرارتها أقل بما بين 2 إلى 4 درجات مئوية مقارنة بالشوارع العارية أو المغطاة بالنخيل.
-
تصفية الهواء: تعمل أوراقها العريضة كمصافٍ طبيعية لامتصاص الغبار، والملوثات، وانبعاثات السيارات، مما يساهم في تحسين جودة الحياة والصحة العامة داخل الأحياء السكنية.
نحو استراتيجية وطنية لوقف “تخريب” المشهد الحضري
إن المبادرة الرائدة التي تشهدها شوارع مدينة فاس اليوم و التي تقودها تجربة شركة فاس الجهة للتهيئة يجب أن تشكل نقطة تحول وطنية، تقتدي بها باقي المجالس الجماعية وشركات التنمية المحلية عبر ربوع المملكة. فلم يعد مقبولاً، في زمن الإجهاد المائي والاحتباس الحراري، أن تُدبر المساحات الخضراء وشوارع المدن بمنطق “التجارة والصفقات الاحتكارية” على حساب التوازن البيئي وصحة المواطنين.
لقد حان الوقت لكي تتحرك وزارة الداخلية ووزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة لفرض “فيتو” بيئي واضح يمنع غرس النخيل خارج نطاقه الجغرافي الطبيعي (المناطق الواحاتية والصحراوية)، وإجبار شركات التهيئة على تبني مخططات تشجير عقلانية تعتمد على أشجار محلية، مستدامة، وذات منفعة حقيقية للمناخ وللإنسان. إن إنقاذ مدننا من التصحير الحضري يبدأ بالقطع مع صفقات النخيل المشبوهة، والانتصار لـ”ثورة خضراء” حقيقية تعيد للشجرة مكانتها وهيبتها في الفضاء العام.






