سياسة

نزار بركة يعترف بضياع المياه بالمغرب… فمن يتحمل مسؤولية الصفقات المغشوشة و القنوات المهترئة

جاء اعتراف وزير التجهيز والماء نزار بركة تحت قبة البرلمان صادما تزامنا مع أزمة إنقطاع الماء الصالح للشرب على فاس و مكناس، بقدر ما كان كاشفا لحجم الاختلالات التي تنخر قطاع الماء بالمغرب. فحين يؤكد الوزير أن ما بين 30 و40 في المائة من مياه الشرب تضيع داخل القنوات، وأن القطاع الفلاحي يفقد ما بين 50 و60 في المائة من موارده المائية، فإن الأمر لا يتعلق بأرقام تقنية عابرة، بل بإقرار رسمي بأن جزءا كبيرا من الثروة المائية الوطنية يتبخر قبل أن يصل إلى المواطن.

هذا الاعتراف يطرح أسئلة حارقة حول حصيلة سنوات طويلة من الاستثمارات العمومية الضخمة التي رصدت لشبكات الماء والتطهير والسدود والمنشآت المائية. فكيف يمكن الحديث عن الأمن المائي في الوقت الذي تتسرب فيه ملايين الأمتار المكعبة من المياه بسبب هشاشة البنيات التحتية وتهالك أجزاء واسعة من الشبكات؟

وفي الوقت الذي يتحدث فيه الوزير عن مخططات تمتد إلى سنة 2050، وعن تحلية مياه البحر ومشاريع بمئات المليارات من الدراهم، لا تزال ساكنة عدد من المدن والقرى تواجه واقعا مختلفا عنوانه الانقطاعات المتكررة وضعف الصبيب وأعطاب الشبكات.

ولعل ما عاشته جهة فاس مكناس خلال الأيام الماضية يمثل نموذجا صارخا لهذا التناقض. فقد وجدت مئات الآلاف من الأسر نفسها أمام انقطاع للماء استمر لأكثر من 72 ساعة في عدد من المناطق، في مشهد أعاد إلى الواجهة أسئلة المسؤولية والمحاسبة وفعالية تدبير البنية التحتية المائية. وبينما سارعت الجهات المعنية إلى تقديم التوضيحات التقنية، ظل المواطن البسيط يتساءل: كيف يمكن لشبكة استراتيجية تزود مدنا كبرى أن تصبح بهذا القدر من الهشاشة؟

الأزمة لم تكن مجرد عطب تقني عابر، بل كشفت حجم التحديات المتراكمة داخل منظومة الماء. فهناك شبكات وقنوات يعود بعضها إلى عقود مضت، تحتاج إلى تجديد شامل، كما أن عددا من المشاريع التي أنجزت في مراحل سابقة أصبحت محل تساؤلات متزايدة حول جودة الإنجاز ومدى احترام المعايير التقنية المطلوبة.

وفي المقابل، لا يمكن الحديث عن أزمة الماء دون التطرق إلى ظاهرة الاستغلال غير المشروع للموارد المائية في بعض المناطق القروية، حيث تتحول المياه الموجهة للشرب أحيانا إلى أغراض السقي أو الاستعمالات الفلاحية خارج الضوابط القانونية، وهو ما يفاقم الضغط على الشبكات ويؤثر على التوازن المائي المحلي.

كما تطرح قضية تدبير بعض الجمعيات المكلفة بالتوزيع في العالم القروي علامات استفهام متكررة بشأن الحكامة والنجاعة، خاصة في الحالات التي تتراكم فيها الديون أو تسجل اختلالات في استخلاص مستحقات الاستهلاك، ما ينعكس بشكل مباشر على استدامة الخدمة وجودتها.

اليوم، لم يعد النقاش محصورا في ندرة التساقطات أو توالي سنوات الجفاف فقط، بل أصبح مرتبطا أيضا بمدى نجاعة الحكامة المائية، وبقدرة المؤسسات المعنية على محاربة الهدر والتسربات وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالمواطن الذي حرم من الماء لساعات طويلة أو لأيام كاملة لا ينتظر تفسيرات تقنية فقط، بل يريد معرفة من يتحمل المسؤولية، وما هي الإجراءات التي ستمنع تكرار مثل هذه الأزمات مستقبلا.

إن الاعتراف الرسمي بضياع نسب مهولة من المياه يجب اولا فتح تحقيق مع مسؤولي و مدراء المكتب الوطني للماء الصالح للشرب حول الصفقات المنجزة وخير دليل ما وقع في خط ربط سد إدريس الأول الى فاس و مكناس، بحيث أظهرت الصور أن الشبكة مهترئة و الصفقة ركزت على قنوات إسمنية متجاوزة و غير مجدية و لم يتم تنزيل مخطط القنوات الفلاذية التي تصمد في وجه الطبيعة،و التحقيق يجب  أن يكون بداية لمرحلة جديدة تقوم على التدقيق في أوضاع الشبكات، وتسريع تجديد البنيات التحتية، وتشديد المراقبة على الاستعمالات غير القانونية للماء، وفتح نقاش جدي حول مردودية الاستثمارات المنجزة خلال العقود الماضية.

فالأمن المائي لا يتحقق بالشعارات ولا بالمخططات بعيدة المدى وحدها، بل يبدأ من ضمان وصول قطرة الماء إلى المواطن دون انقطاع، ومن حماية المال العام المخصص للمشاريع المائية، ومن وضع حد لكل أشكال الهدر التي تجعل المغرب يخسر جزءا مهما من ثروته المائية في زمن أصبحت فيه كل قطرة ماء تساوي الحياة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى