غير مصنفمجتمع

“كورنيش الطريق السيار” يتحول إلى متنفس قسري لساكنة فاس.. هروب جماعي من حرارة الصيف يكشف عجز المدينة عن توفير فضاءات العيش

مع الارتفاع المبكر واللافت في درجات الحرارة، وجدت ساكنة مدينة فاس نفسها مجبرة على البحث عن بدائل غير تقليدية لقضاء أوقات الراحة، في ظل غياب متنفسات حضرية مهيكلة قادرة على استيعاب الضغط المتزايد خلال فصل الصيف.

وهكذا، تحول ما بات يُعرف محلياً بـ“كورنيش الطريق السيار” إلى الوجهة الأولى لآلاف الأسر الفاسية مساءً وليلاً، في مشهد يعكس هروباً جماعياً من المنازل الخانقة نحو فضاء مفتوح، رغم أنه لم يُصمم أصلاً ليكون متنزهاً أو فضاءً ترفيهياً منظماً.

هروب جماعي نحو “كورنيش غير رسمي”

منذ حلول ساعات المساء، تتحول جنبات الطريق السيار بفاس إلى فضاء مكتظ بالحياة والحركة، حيث تصطف مئات السيارات على جنبات الطريق، فيما تنتشر العائلات على المساحات العشبية التي أنجزت ضمن مشاريع تهيئة سابقة.

الأطفال يركضون، والشباب يجلسون في مجموعات، والعائلات تحاول التقاط بعض الهواء البارد بعيداً عن حرارة المنازل، في صورة تعكس حجم العجز في توفير حدائق ومساحات خضراء منظمة داخل الأحياء.

هذا الإقبال المكثف حول المكان إلى “كورنيش غير رسمي”، لكنه في الوقت نفسه فضاء هشّ، يعيش تحت ضغط بشري يومي يهدد بنيته البيئية والجمالية، خاصة مع الاستعمال المكثف للعشب وغياب قواعد تنظيم واضحة.

ضغط على الفضاء وتهديد للمشاريع البيئية

المساحات الخضراء التي تم إنجازها على جنبات هذا المحور الطرقي أصبحت اليوم تحت ضغط كبير، حيث يتم استعمالها بشكل عشوائي للجلوس والنزهة، ما يهدد استدامتها ويعرضها للتلف التدريجي.

ورغم تثبيت علامات “ممنوع الوقوف”، فإن جزءاً منها تعرض للإزالة أو لم يعد يحترم بالشكل الكافي،و غياب بدائل حضرية حقيقية تستوعب هذا التدفق الكبير للمواطنين.

وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف تتحول مشاريع تهيئة خضراء إلى فضاءات بديلة غير مهيكلة بسبب غياب التخطيط الترفيهي داخل المدينة؟

مدينة بلا متنفسات.. أزمة تخطيط مزمنة

ما تعيشه فاس اليوم خلال موجات الحر يكشف أزمة أعمق من مجرد ظرف مناخي، إنها أزمة تخطيط حضري وغياب رؤية واضحة لتوزيع الفضاءات الترفيهية بشكل عادل داخل المدينة.

ففي وقت تتحدث فيه التقارير عن استثمارات ضخمة ضُخت في مشاريع خاوية على عروشها عبر جماعة فاس ومجلس جهة فاس مكناس ووكالة تنفيذ المشاريع، لا يزال المواطن العادي يبحث عن مكان بسيط للجلوس خارج جدران بيته.

الحدائق المهيكلة شبه غائبة، والمساحات الخضراء داخل الأحياء محدودة، والمسابح العمومية إما غير كافية أو تعاني من التعثر، ما يجعل المدينة عاجزة عن توفير أبسط شروط العيش الحضري في فصل الصيف.

اختناق صيفي يكشف هشاشة البنية الترفيهية

مع كل موجة حر، يتجدد نفس المشهد: اختناق داخل الأحياء، بحث عن الظل، وتوجه جماعي نحو الفضاءات المفتوحة غير المهيكلة.

الأطفال والشباب هم الأكثر تضرراً من هذا الوضع، في ظل غياب مسابح عمومية كافية ومجهزة، وتأخر فتح بعض المرافق التي سبق الإعلان عنها أو تفويتها لجهات رياضية دون أن ترى النور بالشكل المطلوب.

وهكذا تتحول فاس في الصيف إلى مدينة تبحث عن متنفسها خارج بنيتها الحضرية، بدل أن تجده داخلها.

الطريق السيار.. من ممر استراتيجي إلى فضاء اجتماعي غير منظم

المفارقة الكبرى أن محيط الطريق السيار، وهو في الأصل بنية نقل استراتيجية، أصبح اليوم بمثابة “فضاء اجتماعي بديل” لآلاف الأسر.

لكن هذا التحول غير المهيكل خلق وضعاً معقداً، حيث تختلط حركة السير بالاكتظاظ البشري، وتنتشر السيارات المركونة بشكل عشوائي، في غياب تنظيم محكم أو مرافق أساسية ترافق هذا الاستخدام غير المخطط له.

هذا الواقع يجعل الفضاء عرضة للاستهلاك السريع، ويطرح في الوقت نفسه مخاطر مرتبطة بالسلامة والتنظيم البيئي.

أزمة حكامة قبل أن تكون أزمة حرارة

ورغم أن ارتفاع درجات الحرارة عامل طبيعي، إلا أن ما يحدث في فاس يعكس بالأساس أزمة حكامة في تنزيل المشاريع الحضرية المرتبطة بالترفيه والفضاءات العامة،وهو ما يستوجب من وزارة الداخلية فك الإرتباط مع مشاريع مجلس الجهة و جماعة فاس و الدفع بمشاريع مهيكلة تلمس حياة المواطن اليومي و الدفع بتكليف شركة فاس الجهة للتهيئة بتنزيل أوراش مهمة و لها نفع على الساكنة.

فغياب التنسيق بين المتدخلين، وتأخر تفعيل بعض المشاريع، وضعف الصيانة، كلها عوامل جعلت المدينة تفقد توازنها بين النمو العمراني وحق الساكنة في فضاءات عيش لائقة.

وتتحمل الجماعات الترابية، وعلى رأسها جماعة فاس ومجلس جهة فاس مكناس، مسؤولية كبرى في إعادة التفكير في النموذج الحضري للمدينة، بما يضمن عدالة مجالية حقيقية في توزيع الحدائق والمتنزهات.

مدينة تاريخية تحتاج متنفساً عصرياً

فاس، بما تحمله من ثقل تاريخي وحضاري، لا يمكن أن تظل رهينة غياب فضاءات ترفيهية حديثة.

فالمدينة التي تستقبل آلاف السكان يومياً وتعرف توسعاً عمرانياً متسارعاً، تحتاج إلى رؤية جديدة تجعل من المتنفسات جزءاً أساسياً من التخطيط الحضري، وليس مجرد مشاريع ثانوية أو مؤجلة.

 صيف يكشف أزمة مدينة كاملة

ما يعيشه “كورنيش الطريق السيار” اليوم ليس مجرد ظاهرة صيفية، بل مؤشر واضح على خلل حضري عميق، حيث يتحول الهروب من حرارة المنازل إلى فضاء غير مهيكل، في غياب بدائل حقيقية داخل المدينة.

وبين ضغط الحرارة، واكتظاظ الفضاء، وغياب المتنفسات، تبقى فاس أمام سؤال حاسم: هل ستستمر المدينة في تصدير سكانها نحو هوامش الطرق، أم ستنجح أخيراً في بناء فضاءات حضرية تليق بتاريخها وساكنتها؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى