بركة يرفع شعار محاربة الفساد من قلب الحكومة.. فمن يحاسب من؟

في الوقت الذي اختار فيه الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، توجيه انتقادات حادة للفساد السياسي والريع وتضارب المصالح خلال أشغال المجلس الوطني لحزبه، عاد الجدل مجددا حول حدود الخطاب السياسي عندما يصدر عن مسؤول يتولى في الوقت نفسه حقيبة وزارية داخل الحكومة ويشارك حزبه في تدبير الشأن العام منذ سنوات.
فقد قدم بركة ما يشبه “التعاقد السياسي الجديد” مع المغاربة، معلنا خمسة التزامات كبرى تتعلق بحماية الأسرة، والدفاع عن القدرة الشرائية، ومحاربة الفساد وتضارب المصالح، وتقوية الخدمات العمومية، وتعزيز السيادة الوطنية. وهي شعارات تحظى دون شك بإجماع واسع داخل المجتمع المغربي، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: لماذا يتم طرحها اليوم وكأنها برنامج معارضة وليس حصيلة أو التزام مكون أساسي داخل الأغلبية الحكومية؟
حديث بركة عن “الفساد السياسي الذي أهلك العمل السياسي” وعن ضرورة القطع مع الريع وثقافة “الهمزة” أثار العديد من التساؤلات، خاصة أن حزب الاستقلال يعد أحد المكونات الرئيسية للحكومة الحالية، ويشغل مواقع مؤثرة في تدبير عدد من القطاعات الاستراتيجية. لذلك يرى متابعون أن المواطن ينتظر إجراءات وقرارات ملموسة أكثر من انتظار خطابات انتخابية أو وعود جديدة.
وفي الوقت الذي دعا فيه الأمين العام لحزب الميزان إلى حماية القدرة الشرائية ومحاربة المضاربات والاحتكار، يطرح الرأي العام تساؤلات مشروعة حول حصيلة الحكومة في مواجهة موجات الغلاء التي أثقلت كاهل الأسر المغربية خلال السنوات الأخيرة، وحول مدى نجاح السياسات العمومية في كبح ارتفاع أسعار عدد من المواد الأساسية التي ما تزال تشكل مصدر قلق يومي للمواطنين.
كما أن الدعوة إلى “صفر تسامح مع الفساد وتضارب المصالح” تفتح بدورها باب النقاش حول مسؤولية الأحزاب المشاركة في الحكومة في إخراج النصوص القانونية المتعلقة بالحكامة والشفافية إلى حيز التنفيذ، بدل الاكتفاء بإعادة طرحها في التجمعات الحزبية والخطابات السياسية.
ويلاحظ عدد من المتابعين أن الخطاب الذي قدمه بركة يحمل الكثير من مضامين المعارضة أكثر مما يعكس خطاب حزب يوجد في صلب السلطة التنفيذية ويتحمل مسؤولية مباشرة في صناعة القرار العمومي. فحين يتحدث وزير في الحكومة عن اختلالات قائمة في القدرة الشرائية أو عن ضرورة مواجهة الريع والاحتكار، فإن الأنظار تتجه تلقائيا نحو ما تم إنجازه فعليا لمعالجة هذه الملفات خلال السنوات الماضية.
ولا يختلف اثنان حول أهمية الدفاع عن الأسرة المغربية أو تحسين الخدمات العمومية أو تعزيز السيادة الوطنية، غير أن الرهان الحقيقي يبقى في ترجمة هذه العناوين الكبرى إلى سياسات وقرارات ونتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، لا أن تبقى مجرد شعارات تتجدد مع اقتراب المواعيد الانتخابية.
وفي النهاية، فإن التحدي الذي يواجه مختلف الأحزاب المشاركة في الحكومة لا يكمن في رفع سقف الخطاب أو مضاعفة الوعود، بل في تقديم حصيلة واضحة وقابلة للقياس بشأن ما تحقق فعليا في ملفات التشغيل والأسعار والصحة والتعليم ومحاربة الفساد. فالمغاربة، أكثر من أي وقت مضى، أصبحوا يقيمون الفاعلين السياسيين بمنطق الإنجاز لا بمنطق الشعارات، وبمنطق النتائج لا بمنطق الخطابات.






