سياسة

قطاع الصحة على صفيح ساخن.. هل فقد أمين التهراوي السيطرة على ملفات الأطباء والتكوين الطبي؟

تتسع رقعة الاحتقان داخل قطاع الصحة يوماً بعد يوم، في وقت تجد فيه وزارة الصحة والحماية الاجتماعية نفسها في مواجهة موجة متصاعدة من الانتقادات الصادرة عن الأطباء الداخليين والمقيمين، الذين يتهمون الوزارة بالتأخر في معالجة ملفات مستعجلة تمس أوضاعهم المهنية والاجتماعية، وتؤثر بشكل مباشر على جودة التكوين الطبي ومستقبل المنظومة الصحية الوطنية.

ويبدو أن الوزير أمين التهراوي يواجه أحد أصعب الاختبارات منذ توليه حقيبة الصحة، بعدما انتقلت حالة التذمر من مجرد مطالب مهنية متفرقة إلى أزمة مفتوحة تتداخل فيها ملفات الأجور والتكوين والتعيينات والحوار القطاعي.

ستة أشهر دون أجور.. غضب يتصاعد داخل المستشفيات الجامعية

من بين أبرز النقاط التي فجرت غضب الأطباء، الحديث عن تأخر صرف أجور عدد من الأطباء الداخليين في بعض المراكز الاستشفائية الجامعية منذ مطلع سنة 2026.

وإذا صحت هذه المعطيات، فإن الأمر لا يتعلق بإشكال إداري عابر، بل بمسألة تمس الاستقرار الاجتماعي لفئة تشكل العمود الفقري للمنظومة الاستشفائية الجامعية، وتتحمل يومياً أعباء التكوين والتطبيب والحراسة داخل المستشفيات.

ويطرح هذا الوضع أسئلة حقيقية حول فعالية آليات التدبير المالي والإداري داخل القطاع، وحول الأسباب التي أدت إلى استمرار هذا التأخر لأشهر طويلة دون إيجاد حلول ناجعة.

أزمة حوار أم أزمة تدبير؟

البيان الصادر عن اللجنة الوطنية للأطباء الداخليين والمقيمين لم يخف حجم التوتر القائم بين الوزارة والهيئات الممثلة للأطباء.

فالأطباء يتحدثون عن غياب أجوبة رسمية وتأخر فتح قنوات الحوار بشأن عدد من الملفات الحساسة، وعلى رأسها المقتضيات الجديدة المرتبطة بالتكوين الطبي والتعيين الوطني للأطباء المقيمين.

ويرى متابعون أن نجاح أي إصلاح صحي يظل رهيناً بوجود حوار مؤسساتي دائم مع الفاعلين الميدانيين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بفئات تعتبر جزءاً أساسياً من منظومة العلاج والتكوين.

متعاونون ومزودون ينتظرون مستحقاتهم

ولا يقتصر الجدل على ملف الأطباء الداخليين والمقيمين فقط، إذ تتردد داخل أوساط مهنية وصحية شكاوى متزايدة بشأن تأخر تسوية بعض المستحقات المالية المرتبطة بمتعاونين ومقدمي خدمات ومتدخلين يشتغلون بشكل مباشر أو غير مباشر مع القطاع الصحي.

وتبقى هذه المعطيات في حاجة إلى توضيحات رسمية دقيقة من الوزارة، غير أن استمرار الحديث عنها داخل الأوساط المهنية يعكس وجود حالة من القلق بشأن وتيرة معالجة الالتزامات المالية والإدارية العالقة.

إصلاحات كبرى… وواقع يثير التساؤلات

المفارقة أن هذه التطورات تأتي في مرحلة يفترض أن تشهد تسريع تنزيل واحد من أكبر مشاريع الإصلاح الاجتماعي بالمغرب، والمتعلق بتعميم الحماية الاجتماعية وإعادة هيكلة المنظومة الصحية الوطنية.

فالدولة استثمرت خلال السنوات الأخيرة مليارات الدراهم في إصلاح القطاع الصحي، وإحداث المجموعات الصحية الترابية، وتأهيل المستشفيات، وتطوير العرض الصحي.

غير أن نجاح هذه الأوراش يبقى مرتبطاً بمدى قدرة الإدارة المركزية على ضمان الاستقرار المهني للموارد البشرية الصحية، وحل المشاكل اليومية التي يواجهها الأطباء والممرضون وباقي العاملين بالقطاع.

الوزير أمام لحظة الحقيقة

اليوم، لم يعد السؤال المطروح داخل الأوساط الصحية هو حجم الإصلاحات المعلنة، بل مدى انعكاسها الفعلي على أوضاع العاملين بالميدان.

فالأطباء لا يطالبون بشعارات أو وعود جديدة، بل يطالبون بأجورهم في وقتها، وبحوار مؤسساتي واضح، وبرؤية شفافة بشأن مستقبل التكوين والتعيين والترقية.

ومع اتساع دائرة الانتقادات، يجد وزير الصحة نفسه أمام لحظة حاسمة تتطلب قرارات عملية وسريعة لاستعادة الثقة داخل القطاع، لأن استمرار حالة الاحتقان لا يهدد فقط السلم الاجتماعي داخل المؤسسات الصحية، بل قد ينعكس أيضاً على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

وفي انتظار رد رسمي من الوزارة على مطالب الأطباء، يبقى المؤكد أن قطاع الصحة يعيش مرحلة دقيقة، وأن معالجة الملفات العالقة لم تعد خياراً سياسياً أو إدارياً، بل أصبحت ضرورة ملحة لضمان نجاح الإصلاح الصحي الذي تراهن عليه الدولة والمجتمع على حد سواء.

وزير أمام اختبار القدرة على القيادة.. بين تعثر التدبير وصعوبة تنزيل الإصلاحات

يجد وزير الصحة، أمين التهراوي، نفسه اليوم أمام سؤال جوهري يطرحه الفاعلون داخل القطاع وخارجه: كيف يمكن قيادة إصلاح هيكلي عميق بحجم إعادة بناء المنظومة الصحية وتفعيل المجموعات الصحية الترابية، في ظل استمرار اختلالات داخلية مرتبطة بتدبير الموارد البشرية والمالية وتأخر معالجة ملفات مهنية حساسة؟

ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن ينخرط القطاع في مرحلة تنزيل فعلي للإصلاحات الكبرى، ما تزال أصوات من داخل الجسم الطبي والنقابي تشير إلى وجود تعثر في تدبير بعض الملفات الداخلية، وضعف في سرعة التفاعل مع المطالب المستعجلة، وهو ما يطرح إشكالاً حول مدى جاهزية الإدارة الحالية لقيادة ورش إصلاحي معقد ومتشعب.

ويذهب عدد من المراقبين إلى أن نجاح أي إصلاح صحي لا يقاس فقط بحجم القوانين والمخططات المعلنة، بل بمدى القدرة على معالجة الاختلالات اليومية داخل المستشفيات، وضمان استقرار المهنيين، وإرساء قنوات حوار فعّالة مع الفاعلين الصحيين. وفي غياب ذلك، تبقى كل المشاريع الكبرى، بما فيها المجموعات الصحية الترابية، مهددة بتباطؤ في التنزيل أو فقدان جزء من فعاليتها على أرض الواقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى