قضايا

ملف الأحد: من أحزمة الفقر والبؤس إلى “مقابر إسمنتية”.. فاس أمام اختبار العمران المنفلت وانهيارات تكشف عمق الأزمة الحضرية

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي

مدينة لا تخاف من التاريخ بل من جدرانها

لم تعد مدينة فاس، بما تختزنه من رمزية علمية وتاريخية وروحية، تعيش فقط على وقع التحديات الاجتماعية والاقتصادية التقليدية، بل دخلت مرحلة أكثر خطورة تتعلق بسلامة بنيتها العمرانية نفسها. فالخوف في عدد من أحياء المدينة لم يعد مرتبطاً بالجريمة أو البطالة أو ضغط المعيشة، بل أصبح مرتبطاً بالجدران التي تسكنها الأسر، والأسقف التي تحميها، والبنايات التي باتت في نظر كثيرين أقرب إلى “هياكل إسمنتية قابلة للانهيار” في أية لحظة.

هذا التحول الخطير في طبيعة المخاطر التي تواجه المدينة يعكس انتقال الأزمة من مستوى اجتماعي إلى مستوى وجودي يهم أمن السكن وسلامة الأرواح. ومع تواتر حوادث الانهيار خلال الأشهر الأخيرة، وتعالي الأصوات حول هشاشة جزء واسع من النسيج العمراني، أصبحت فاس أمام سؤال كبير: كيف تحولت العاصمة العلمية إلى مدينة تعيش تحت ضغط الخوف من عمرانها؟

أولاً: أرقام مقلقة تكشف حجم الأزمة العمرانية

وفق معطيات متداولة في أوساط تقنية وإدارية، فإن مدينة فاس تضم عدداً مهماً من المساكن غير الصالحة للسكن أو التي توجد في وضعية هشاشة متقدمة، يُقدَّر بعشرات الآلاف من الوحدات السكنية. هذه المساكن لا تأوي أفراداً فقط، بل تحتضن مئات الآلاف من السكان الذين يعيشون في ظروف عمرانية غير مستقرة.

وتشير تقديرات متداولة إلى أن ما يقارب نصف مليون نسمة قد يكونون معنيين بشكل مباشر أو غير مباشر بدرجات مختلفة من الخطر العمراني، سواء عبر مساكن متشققة أو بنايات قديمة أو عمارات شُيدت في سياقات توسع غير منضبط.

الأخطر من ذلك أن المدينة عرفت خلال أقل من سنة تسجيل ثلاث حوادث انهيار كبرى، خلفت وفق المعطيات المتداولةحوالي 47 قتيلاً وعشرات المصابين، في حصيلة صادمة أعادت النقاش حول سلامة البناء إلى الواجهة بقوة، وطرحت أسئلة حادة حول نجاعة منظومة المراقبة والتعمير في السنوات الماضية ومع بداية ثمانينات القرن الماضي عندما إجتاح الجفاف المغرب و تفاقمت الهجرة القروية نحو فاس.

هذه الأرقام، بصرف النظر عن تفاصيلها التقنية الدقيقة، تعكس واقعاً عاماً يتميز بوجود هشاشة بنيوية في جزء من النسيج العمراني، وهو ما يجعل الأزمة ليست ظرفية بل ممتدة ومتراكمة.

ثانياً: أحزمة الفقر والبؤس.. من الهامش إلى قلب الخطر

لم تنشأ الأزمة العمرانية في فاس داخل المدينة العتيقة فقط، كما كان يُعتقد في السابق، بل امتدت بشكل واسع إلى الأحياء الشعبية والهامشية التي توسعت منذ عقود بفعل الهجرة القروية والنمو الديمغرافي المتسارع.

هذه الأحياء، التي تشكل ما يمكن تسميته بـ“أحزمة الفقر و البؤس”، نشأت في كثير من الأحيان خارج التخطيط العمراني الدقيق، وفي ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة، ما أدى إلى بناء مساكن بمواد محدودة الجودة وفي غياب صارم للمراقبة التقنية في بعض الحالات.

ومع مرور الوقت، تحولت هذه التجمعات السكنية إلى كتل حضرية كثيفة، تعاني من ضغط كبير على البنية التحتية، وضعف في شبكات الصرف الصحي، واكتظاظ عمراني، وتفاوت واضح في إنعدام جودة البناء.

هكذا انتقلت فاس تدريجياً من مدينة ذات نسيج عمراني متوازن نسبياً إلى مدينة تتعايش فيها مستويات مختلفة من البناء، بعضها مطابق للمعايير، وبعضها الآخر يعيش على هامشها أو خارجها.

ثالثاً: الانهيارات المتكررة.. حين يصبح السقوط جزءاً من المشهد

في السنوات الأخيرة، لم تعد حوادث انهيار البنايات في فاس أحداثاً معزولة أو استثنائية، بل أصبحت تتكرر بشكل يثير القلق ويؤشر على وجود خلل عميق في منظومة التعمير.

هذه الحوادث، التي أسفرت عن خسائر بشرية مؤلمة وفق ما تم تداوله إعلامياً، أعادت إلى الواجهة النقاش حول جودة البناء، واحترام المعايير التقنية، وفعالية المراقبة خلال مختلف مراحل تشييد المباني.

المثير للانتباه أن بعض البنايات التي شهدت انهيارات أو تصدعات لا تعود فقط إلى حقب تاريخية قديمة، بل تشمل أيضاً بنايات حديثة نسبياً، ما يفتح الباب أمام فرضيات متعددة تتعلق بجودة التنفيذ، أو مواد البناء، أو طرق الترخيص والمراقبة.

وفي كل مرة تقع فيها حادثة مماثلة، يتكرر السيناريو ذاته: تدخل فرق الإنقاذ، حالة استنفار، ضحايا تحت الأنقاض، ثم نقاش عمومي يعود ليخبو تدريجياً دون معالجة جذرية شاملة.

رابعاً: الفوضى العمرانية وتراكمات عقود من التدبير غير المتوازن

لا يمكن فهم الوضع الحالي دون العودة إلى مسار طويل من التراكمات التي طبعت تدبير المجال العمراني في فاس. فقد تداخلت خلال عقود عدة عوامل، من بينها الضغط الديمغرافي، وضعف التخطيط الحضري، وتفاوت تطبيق القوانين، ما أدى إلى نشوء وضع عمراني غير متجانس.

كما ساهمت بعض الاختلالات في تدبير التعمير، سواء على مستوى منح التراخيص أو مراقبة البناء أو تتبع جودة الأشغال، في تعميق هذه الأزمة. وفي ظل هذا السياق، توسعت بعض الأحياء بسرعة أكبر من قدرة الدولة على التأطير والمواكبة.

هذا الوضع أدى إلى إنتاج مدينة متعددة السرعات عمرانياً، حيث توجد أحياء منظمة نسبياً، وأخرى تعاني من هشاشة واضحة في البنية والتجهيزات.

خامساً: مسؤولية متعددة الأطراف في إنتاج واقع معقد

إن الأزمة العمرانية التي تعيشها فاس اليوم لا يمكن اختزالها في جهة واحدة، بل هي نتيجة تفاعل عدة مستويات من المسؤولية.

فالمجال العمراني هو نتيجة تداخل أدوار بين الجماعات الترابية، ومصالح التعمير، والفاعلين الاقتصاديين، ومكاتب الدراسات، والمقاولات،و رجال السلطة و أعوانهم، إضافة إلى السياق الاجتماعي الذي فرض طلباً كبيراً على السكن في ظروف محدودة الإمكانيات.

هذا التداخل خلق في بعض الحالات فراغات تنظيمية أو تفاوتاً في تطبيق المعايير، ما ساهم في إنتاج واقع عمراني معقد تتداخل فيه المسؤوليات ولا يسهل فيه تحديد طرف واحد مسؤول بشكل حصري.

سادساً: البعد الإنساني.. حياة يومية تحت التهديد

بعيداً عن التحليل التقني والإداري، يبقى البعد الإنساني هو الأكثر حساسية في هذا الملف. فآلاف الأسر تعيش داخل مساكن تعرف أنها قد لا تكون آمنة بالكامل، لكنها تظل الخيار الوحيد المتاح أمامها في ظل محدودية البدائل السكنية.

هذا الوضع يخلق حالة من التوتر النفسي المستمر، حيث تعيش الأسر بين الخوف من المجهول وصعوبة تغيير وضعها الاجتماعي والاقتصادي. وهكذا يصبح السكن، الذي يفترض أن يكون مصدر أمان، جزءاً من مصدر القلق اليومي.

وتزداد حدة هذه المعاناة في الأحياء المكتظة، حيث تتقاطع الهشاشة العمرانية مع الهشاشة الاجتماعية، ما يجعل تأثير الأزمة أكثر عمقاً وتعقيداً.

سابعاً: محدودية المقاربات الحالية أمام حجم التحديات

رغم المجهودات التي تبذلها السلطات  في إطار معالجة بعض البنايات المهددة أو التدخل في الحالات الاستعجالية، إلا أن حجم التراكمات يجعل هذه المقاربات غير كافية لمعالجة جذور الأزمة.

فالتدخلات الجزئية، مهما كانت أهميتها، لا يمكن أن تعالج مشكلة تمتد لعقود وتشمل أنسجة عمرانية واسعة. لذلك أصبح من الضروري التفكير في مقاربة شمولية تتجاوز منطق التدبير اليومي إلى منطق التخطيط الاستراتيجي طويل المدى.

ثامناً: نحو رؤية شاملة لإعادة تأهيل المدينة

الوضع الحالي يفرض ضرورة الانتقال إلى رؤية عمرانية جديدة تقوم على إعادة تأهيل النسيج الحضري بشكل شامل. هذه الرؤية ينبغي أن تشمل:

إعادة هيكلة بعض الأحياء الأكثر هشاشة،
توسيع برامج إعادة الإيواء،و إفراغ  المنازل التي تشكل خطورة على الساكنة,
تعزيز المراقبة التقنية للبناء،
مراجعة وثائق التعمير،وإطلاق عملية هدم واسعة للدور المهددة بالسقوط,
وتعبئة موارد مالية كبرى قادرة على مواكبة حجم التحول المطلوب.

كما أن هذه الرؤية يجب أن تدمج البعد الاجتماعي بشكل أساسي، لأن أي إصلاح عمراني لن ينجح دون معالجة إشكالية السكن للفئات الهشة.

 فاس أمام لحظة الحقيقة

فاس اليوم ليست فقط مدينة تواجه مشاكل عمرانية، بل مدينة تقف على مفترق طرق حاسم بين استمرار التدهور أو الانخراط في إصلاح جذري شامل.

فالخطر لم يعد نظرياً، بل أصبح ملموساً في البنايات، وفي الأحياء، وفي حياة السكان اليومية. واستمرار الوضع دون تدخل قوي وهيكلي يعني ببساطة المزيد من الانهيارات والمزيد من الخسائر الإنسانية.

إن العاصمة العلمية للمملكة لا يمكن أن تُختزل في صور الركام أو في أخبار الانهيارات، بل تستحق رؤية جديدة تعيد لها توازنها العمراني وتحفظ كرامة وسلامة ساكنتها.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً وبقوة:
هل تتحرك المنظومة الحضرية بكل مكوناتها قبل أن تتحول فاس إلى مدينة تنهار فوق ساكنتها؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى