سياسة

تدشين أكبر صرح أمني حديث بالمغرب.. حموشي يقود مرحلة جديدة لتحديث الأمن الوطني من قلب الرباط

في مشهد مؤسساتي يعكس التحولات العميقة التي تعرفها المنظومة الأمنية المغربية، انطلقت بالعاصمة الرباط فعاليات الدورة السابعة لأيام الأبواب المفتوحة للمديرية العامة للأمن الوطني، بالتزامن مع الاحتفال بالذكرى السبعين لتأسيس الأمن الوطني، وسط حضور رسمي ودبلوماسي وأمني وازن، طبعته لحظة بارزة تمثلت في تدشين المقر المركزي الجديد للمديرية العامة للأمن الوطني، أحد أكبر المركبات الأمنية الحديثة على مستوى القارة الإفريقية.

هذا الحدث، الذي ترأسه عبد الوافي لفتيت إلى جانب عبد اللطيف حموشي، لم يكن مجرد افتتاح إداري لمبنى جديد، بل حمل دلالات استراتيجية ومؤسساتية قوية تعكس حجم التحول الذي شهدته المؤسسة الأمنية المغربية خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث البنيات التحتية أو أساليب التدبير أو توسيع مجالات التدخل الأمني والتقني والاستخباراتي.

وشهد حفل الافتتاح حضورا لافتا لعدد من أعضاء الحكومة، ورؤساء مؤسسات دستورية، ومسؤولين قضائيين وعسكريين ومدنيين، إلى جانب شخصيات أمنية دولية بارزة، من بينها فيليب لوكاس، ومحمد بن علي كومان، وعبد المجيد البنيان، في مشهد يعكس المكانة التي باتت تحتلها المؤسسة الأمنية المغربية على المستوى الإقليمي والدولي.

المقر المركزي الجديد، الذي شُيد بحي الرياض بالعاصمة الرباط على مساحة تناهز 20 هكتارا، يعد واحدا من أضخم المشاريع الأمنية التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة، حيث جرى تصميمه وفق معايير هندسية وتكنولوجية حديثة، بهدف تجميع مختلف المصالح المركزية للأمن الوطني داخل فضاء موحد يعتمد الرقمنة والتدبير الذكي والجاهزية العملياتية المتطورة.

ويضم هذا المركب الأمني العملاق قاعة مؤتمرات كبرى تتسع لأزيد من 1200 شخص، ومتحفا لتاريخ الأمن الوطني يوثق لمسار المؤسسة الأمنية منذ تأسيسها سنة 1956، إضافة إلى مركز حديث للمعلوميات والأرشيف، ومصالح متخصصة في إصدار البطاقة الوطنية الإلكترونية، فضلا عن فضاءات لإيواء قوات الاحتياط ومرآب ضخم يتسع لحوالي 1500 سيارة، إلى جانب تجهيزات متطورة مرتبطة بالأمن السيبراني وحماية المعطيات والتدبير الرقمي.

ويؤكد متابعون أن هذا المشروع لا يمكن فصله عن مسار التحديث العميق الذي قاده عبد اللطيف حموشي منذ توليه قيادة المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، وهي المرحلة التي شهدت إعادة هيكلة واسعة للمؤسسة الأمنية، وتعزيز التنسيق بين العمل الشرطي والعمل الاستخباراتي، في إطار مقاربة موحدة تقوم على الاستباق والاحترافية والتحديث التكنولوجي.

وخلال السنوات الأخيرة، نجحت الأجهزة الأمنية المغربية في تعزيز حضورها الدولي، خصوصا في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، وهو ما جعل المغرب يتحول إلى شريك أمني أساسي لعدد من الدول الأوروبية والإفريقية والعربية، بفضل نجاعة المقاربة الأمنية التي تعتمد على العمل الاستباقي والتنسيق الاستخباراتي والتكوين المستمر.

كما أن تنظيم أيام الأبواب المفتوحة للأمن الوطني أصبح، منذ إطلاق هذه المبادرة، مناسبة لإبراز التحولات التي تعرفها المؤسسة الأمنية وتقريب المواطن من مختلف الوحدات والتخصصات الأمنية، من شرطة القرب إلى وحدات التدخل الخاصة والشرطة العلمية والتقنية، مرورا بمصالح مكافحة الجريمة الإلكترونية والأمن الطرقي.

وشهدت فعاليات هذه الدورة تقديم عروض ميدانية وتقنية متطورة، استعرضت قدرات الأمن الوطني في مجال التدخل السريع، واستعمال التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي في محاربة الجريمة، إضافة إلى إبراز تطور منظومة الخدمات الرقمية المرتبطة بالوثائق الإدارية والهوية الإلكترونية.

وقبيل الافتتاح الرسمي، نظمت المديرية العامة للأمن الوطني زيارات ميدانية لفائدة وسائل الإعلام وشخصيات وطنية وأجنبية للاطلاع على مختلف مرافق المركب الجديد، الذي استغرق إنجازه عدة سنوات منذ انطلاق الأشغال سنة 2019، في إطار برنامج وطني لتحديث البنيات التحتية الأمنية وتعزيز قدرات التدخل والتنسيق.

ويرى متابعون أن الحضور المكثف لكبار المسؤولين الحكوميين والقضائيين والعسكريين في احتفالات الأمن الوطني لم يعد مجرد حضور بروتوكولي، بل أصبح يعكس الثقل المؤسساتي والسيادي الذي باتت تمثله المؤسسة الأمنية داخل الدولة المغربية، خاصة في ظل تنامي التحديات المرتبطة بالإرهاب والجريمة العابرة للحدود والأمن السيبراني والهجرة غير النظامية.

كما يعكس هذا المشروع الضخم توجها رسميا نحو بناء منظومة أمنية أكثر تحديثا واندماجا، تعتمد على الرقمنة والنجاعة والتدبير الموحد، في وقت أصبحت فيه المؤسسات الأمنية مطالبة بمواكبة التحولات التكنولوجية والتهديدات الجديدة التي تفرضها البيئة الدولية المتغيرة.

ويأتي تدشين هذا الصرح الأمني الجديد أيضا في سياق إقليمي ودولي معقد، حيث تتزايد التحديات الأمنية المرتبطة بالشبكات الإجرامية العابرة للحدود، والهجمات السيبرانية، والتهديدات الإرهابية، ما يفرض تعزيز الجاهزية المؤسساتية وتطوير آليات التدخل والاستباق.

و بين رمزية الذكرى السبعين لتأسيس الأمن الوطني، ودلالات تدشين المقر المركزي الجديد، بدا واضحا أن المؤسسة الأمنية المغربية دخلت مرحلة جديدة عنوانها التحديث الشامل، والتدبير الذكي، وتعزيز الحضور المؤسساتي والأمني للمغرب إقليميا ودوليا، في ظل قيادة أمنية تراهن على التكنولوجيا والاحترافية والاستباق كمرتكزات أساسية لمواجهة تحديات المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى