شغب الملاعب يغزو الشوارع.. أسلحة بيضاء وشهب نارية تنذر بالخطر والمغرب مطالب بحماية صورته قبل مونديال 2030

لم يعد العنف المرتبط بكرة القدم في المغرب مجرد انفلات محدود داخل المدرجات أو مناوشات عابرة بين جماهير الأندية، بل تحول في السنوات الأخيرة إلى ظاهرة مقلقة تمتد إلى الشوارع والأحياء الشعبية ومحيط الملاعب، في مشاهد باتت تحمل الكثير من الخطورة بعد دخول الأسلحة البيضاء والشهب النارية في صراعات مجموعات محسوبة على بعض الفصائل الرياضية.
الأحداث التي شهدتها مدينة الدار البيضاء خلال الساعات الأولى من صباح الأحد، تعكس مجدداً حجم التحدي الأمني والاجتماعي الذي بات يفرض نفسه بقوة، بعدما اضطرت مصالح الأمن إلى التدخل بشكل فوري لوقف أعمال عنف وتبادل اعتداءات بين مجموعة من الأشخاص يشتبه في ارتباطهم بفصائل مشجعي فرق محلية، استُعملت خلالها أسلحة بيضاء وشهب نارية في مشهد أثار قلقاً واسعاً، خاصة بعد انتشار مقاطع فيديو توثق هذه المواجهات على مواقع التواصل الاجتماعي.
وقد تمكنت عناصر الشرطة التابعة لمنطقة أمن مولاي رشيد من توقيف ثلاثة مشتبه فيهم تتراوح أعمارهم بين 19 و24 سنة، فيما تتواصل الأبحاث تحت إشراف النيابة العامة من أجل توقيف باقي المتورطين والكشف عن جميع ملابسات القضية.
لكن خلف هذا التدخل الأمني الناجح، يبرز سؤال أعمق وأكثر إلحاحاً: لماذا تحولت بعض الفصائل الرياضية من فضاءات للتشجيع والحماس إلى بؤر للعنف والتوتر والمواجهات الخطيرة؟
المشكلة اليوم لم تعد مرتبطة فقط بنتائج المباريات أو بالتنافس الرياضي، بل أصبحت تعكس اختلالات اجتماعية ونفسية وتربوية أعمق، حيث يجد عدد من الشباب أنفسهم منخرطين في دوائر العنف والانتماء المتشنج، في ظل هشاشة اجتماعية وفراغ نفسي وغياب التأطير الأسري والتربوي.
فالعديد من المتابعين يرون أن بعض الشباب لم يعد يجد في كرة القدم مجرد لعبة أو وسيلة للترفيه، بل أصبح يعتبر الانتماء للفصائل الرياضية شكلاً من أشكال إثبات الذات والبحث عن القوة والهوية داخل الشارع، وهو ما يفسر أحياناً انتقال الصراعات من المدرجات إلى الأحياء والفضاءات العامة.
الأخطر أن هذا العنف بات يتطور من حيث الوسائل والأساليب، بعدما أصبحت الأسلحة البيضاء والشهب النارية جزءاً من بعض المواجهات، في مؤشر خطير على تصاعد منسوب العدوانية داخل محيط رياضي يفترض أن يكون فضاءً للفرجة والتنافس الشريف.
وفي المقابل، تواصل المصالح الأمنية مجهوداتها المكثفة من أجل مواجهة هذه الظاهرة، سواء عبر التدخلات الميدانية السريعة، أو عبر تتبع الفيديوهات والمنشورات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، أو من خلال التنسيق مع مختلف الأجهزة لتوقيف المتورطين وفرض احترام القانون.
وقد أظهرت تدخلات الأمن خلال السنوات الأخيرة درجة عالية من الجاهزية في احتواء عدد من الأحداث المرتبطة بالشغب الرياضي، سواء داخل الملاعب أو خارجها، مع اعتماد مقاربات استباقية قائمة على الرصد والتدخل السريع.
غير أن المقاربة الأمنية، رغم أهميتها، تبقى وحدها غير كافية لمعالجة جذور الظاهرة.
فالمغرب اليوم يحتاج إلى مقاربة اجتماعية وتربوية ونفسية متكاملة، تنطلق أولاً من الأسرة، باعتبارها الحلقة الأساسية في بناء شخصية الشباب وترسيخ قيم الحوار والتسامح واحترام الاختلاف.
كما أن المدرسة مطالبة أيضاً بلعب دور أكبر في التربية على المواطنة والروح الرياضية، بدل ترك الشباب عرضة لخطابات العنف والكراهية والتعصب المنتشرة أحياناً داخل بعض الفضاءات الرقمية.
ويؤكد مختصون أن غياب فضاءات التأطير الثقافي والرياضي والاجتماعي داخل عدد من الأحياء يدفع بعض الشباب نحو البحث عن الانتماء داخل مجموعات متشددة في تشجيعها وسلوكها، ما يحول الرياضة من وسيلة للاندماج إلى منصة لتفريغ الغضب والاحتقان.
كما أن الجانب النفسي لا يقل أهمية، خصوصاً مع تزايد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها عدد من الشباب، في ظل البطالة والهشاشة والشعور بالإقصاء، وهي عوامل قد تجعل بعضهم أكثر قابلية للانخراط في سلوكيات عنيفة أو عدوانية.
ويأتي هذا التصاعد المقلق للعنف في وقت يستعد فيه المغرب لاحتضان تظاهرات رياضية عالمية كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، وهو ما يجعل الرهان اليوم لا يتعلق فقط بتأهيل الملاعب والبنيات التحتية، بل أيضاً بحماية صورة المغرب كبلد آمن وقادر على تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى في أجواء حضارية.
فالمونديال ليس فقط ملاعب وفنادق وطرقاً، بل أيضاً صورة مجتمع وسلوك جماهير وثقافة رياضية.
وأي مشاهد عنف أو فوضى في الشوارع تسيء أولاً لصورة الرياضة المغربية، ثم لصورة البلد الذي يقدم نفسه اليوم كقوة صاعدة قارياً ودولياً في مجال تنظيم التظاهرات الكبرى.
الكرة المغربية حققت في السنوات الأخيرة إنجازات تاريخية رفعت العلم المغربي عالياً في المحافل الدولية، لكن الحفاظ على هذه الصورة يتطلب أيضاً مواجهة حقيقية لكل مظاهر الشغب والعنف والتطرف الرياضي.
لأن الجماهير قادرة على أن تكون قوة دعم وإبداع وفرجة، لكنها قد تتحول أيضاً إلى مصدر قلق إذا تُركت الظاهرة دون معالجة اجتماعية وثقافية عميقة.
والمعركة اليوم ليست فقط ضد أشخاص يحملون أسلحة بيضاء في الشوارع، بل ضد ثقافة عنف بدأت تتسلل إلى جزء من المشهد الرياضي، في وقت يحتاج فيه المغرب إلى ترسيخ ثقافة التشجيع الحضاري، حتى يبقى الشغف بكرة القدم مصدر فرح ووحدة، لا سبباً للخوف والفوضى.






