هل ينجح برادة في كسر “ شبكات الغش”؟.. وزارة التعليم تدخل معركة البكالوريا بالتكنولوجيا ورهان استعادة هيبة الامتحان

دخلت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة مرحلة جديدة في حربها المفتوحة ضد الغش في امتحانات البكالوريا، بعدما كشفت بشكل رسمي عن اعتماد نظام إلكتروني متطور لرصد حالات الغش وضبطها خلال دورة 2026، في خطوة تعكس حجم القلق الرسمي من تنامي الظاهرة، لكنها تفتح في الوقت نفسه سؤالاً كبيراً داخل الأوساط التربوية: هل يستطيع الوزير محمد سعد برادة فعلاً كسب معركة الغش التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى تحدٍ حقيقي يهدد مصداقية المدرسة العمومية وهيبة شهادة البكالوريا؟
الوزارة تحدثت بلغة الحزم، وقدمت خطة تقنية وتنظيمية تبدو غير مسبوقة مقارنة بالدورات السابقة، تقوم على تعميم نظام إلكتروني للمساعدة على رصد عمليات الغش داخل مراكز الامتحان، عبر اعتماد أجهزة إلكترونية متخصصة، وتكوين فرق تقنية محلية، وإطلاق حملات تواصلية واسعة تستهدف التلاميذ والأسر والرأي العام.
لكن خلف هذه الإجراءات، يبرز واقع أكثر تعقيداً.
فالغش في امتحانات البكالوريا بالمغرب لم يعد مجرد حالات فردية معزولة، بل تحول مع مرور السنوات إلى ظاهرة مركبة، تغذيها التكنولوجيا الحديثة، وانتشار شبكات التواصل الاجتماعي، وتطور وسائل الاتصال السرية، إضافة إلى تنامي صفحات وتطبيقات متخصصة في تسريب الأجوبة وتبادلها خلال الامتحانات.
وفي كل موسم امتحانات، تعود المشاهد نفسها؛ هواتف مخبأة بعناية، سماعات دقيقة، مجموعات رقمية تنشط لحظة انطلاق الاختبارات، وصفحات على مواقع التواصل تتحول إلى غرف عمليات موازية لتبادل الأجوبة، في مشهد يطرح أسئلة حقيقية حول قدرة المنظومة التقليدية للمراقبة على مواكبة تطور أساليب الغش.
لهذا، يبدو أن وزارة برادة اختارت هذه المرة نقل المواجهة إلى مستوى جديد، عبر إدخال التكنولوجيا إلى قلب قاعات الامتحان.
الخطة الجديدة تنص على اعتماد جهاز إلكتروني لرصد الغش على مستوى كل مركز امتحان، مع تكليف الجهة المتعهدة بتوفير المعدات بإيصالها إلى المديريات الإقليمية، قبل توزيعها على مختلف المراكز، إلى جانب توفير الدعم التقني والصيانة قبل وخلال فترة الامتحانات.
كما قررت الوزارة تعيين منسق جهوي على مستوى الأكاديميات ومنسق إقليمي داخل كل مديرية، للإشراف على الجوانب التقنية والإدارية المرتبطة بالنظام الجديد، في محاولة لضمان تنسيق محكم بين مختلف المتدخلين.
أما داخل مراكز الامتحان، فسيتم تشكيل فرق محلية مكونة من شخصين مكلفين مباشرة برصد الغش، على أن يستفيدوا من دورات تكوينية خلال شهر ماي، خاصة في ما يتعلق باستعمال تطبيق معلوماتي خاص على الهواتف الذكية.
لكن رغم هذا التحول التقني، فإن التحدي الحقيقي لا يبدو تكنولوجياً فقط، بل تربوياً ومجتمعياً أيضاً.
فعدد من الفاعلين التربويين يعتبرون أن الغش لم يعد مجرد سلوك معزول، بل أصبح لدى بعض التلاميذ “ثقافة موازية” مرتبطة بفقدان الثقة في المدرسة وفي مبدأ تكافؤ الفرص، خاصة في ظل ضغط النتائج، والخوف من الفشل، والتفاوتات الاجتماعية والتعليمية.
كما أن جزءاً من الظاهرة يرتبط، بحسب متابعين، بتراجع الدور التربوي للأسرة، وبتحول بعض المنصات الرقمية إلى فضاءات لتطبيع الغش بدل محاربته، حيث يتم تقديم وسائل التحايل داخل الامتحانات وكأنها “ذكاء” أو “مهارة”، في وقت يفترض أن تكون فيه البكالوريا محطة لترسيخ قيم الاستحقاق والنزاهة.
وفي المقابل، يرى آخرون أن الوزارة مطالبة أيضاً بضمان عدم تحول النظام الجديد إلى مصدر توتر إضافي داخل مراكز الامتحان، خاصة إذا غلب عليه الطابع الأمني أكثر من البعد التربوي.
فالرهان اليوم لا يتعلق فقط بضبط حالات الغش، بل أيضاً بإعادة الثقة إلى شهادة البكالوريا المغربية، التي ظلت لعقود تعتبر واحدة من أهم المحطات التعليمية في حياة التلاميذ والأسر المغربية.
كما أن نجاح الخطة الجديدة سيظل مرتبطاً بمدى قدرة الوزارة على التطبيق الصارم والعادل للإجراءات، لأن التجارب السابقة أظهرت أن بعض محاولات محاربة الغش كانت تصطدم أحياناً بضعف المراقبة أو بتفاوت تنزيل التعليمات بين المراكز.
ويبدو أن وزارة برادة تدرك حساسية المرحلة، لذلك لم تكتفِ بالشق التقني، بل قررت إطلاق حملة تواصلية واسعة تشمل تنظيم لقاءات جهوية وإقليمية لفائدة رؤساء مراكز الامتحان، إلى جانب حملات تحسيسية موجهة للتلاميذ وأولياء الأمور من أجل شرح أهداف النظام الجديد والتأكيد على أن محاربة الغش مسؤولية جماعية.
كما ينتظر أن تخصص وسائل الإعلام حيزاً مهماً للتعريف بالنظام الإلكتروني الجديد، عبر دعامات رقمية وورقية، في محاولة لإقناع الرأي العام بأن الدولة عازمة هذه المرة على الذهاب بعيداً في مواجهة الظاهرة.
غير أن السؤال الذي يظل مطروحاً بقوة هو: هل تكفي التكنولوجيا وحدها لربح معركة الغش؟
الجواب، وفق متابعين، يتجاوز الأجهزة والتطبيقات، لأن محاربة الغش تبدأ أساساً من بناء مدرسة تنتج الثقة والكفاءة والعدالة، وتجعل التلميذ مقتنعاً بأن النجاح الحقيقي لا يمر عبر التحايل، بل عبر الاستحقاق والعمل.
ومع اقتراب امتحانات البكالوريا، يجد الوزير محمد سعد برادة نفسه أمام اختبار حقيقي، ليس فقط لقياس فعالية النظام الإلكتروني الجديد، بل أيضاً لقياس قدرة الوزارة على استعادة هيبة الامتحان الوطني، في زمن أصبحت فيه التكنولوجيا تُستخدم أحياناً لتطوير التعليم، وأحياناً أخرى لتطوير أساليب الغش نفسها.






