عيد الأضحى بين ضغط الغلاء وقلق الشارع.. الأسواق تشتعل والأسئلة تتزايد حول غياب الضبط وتمدّد المضاربة

مع اقتراب عيد الأضحى، تعيش الأسواق المغربية على وقع موجة ارتفاعات متسارعة في أسعار عدد من المواد الأساسية والمستلزمات المرتبطة بالمناسبة، في مشهد بات يتكرر كل سنة لكن بحدة أكبر، ما يثير قلقاً اجتماعياً واسعاً داخل الأسر المغربية، خصوصاً ذات الدخل المحدود والمتوسط، التي تجد نفسها أمام عبء مالي إضافي في ظرف اقتصادي دقيق.
المناسبة التي يفترض أن تكون لحظة للفرح وصلة الرحم والتكافل الاجتماعي، تتحول تدريجياً إلى امتحان صعب للقدرة الشرائية، في ظل ارتفاع أسعار الأضاحي ومشتقاتها، إلى جانب مواد استهلاكية أساسية مثل الفحم والتوابل وبعض مستلزمات الطهي، فضلاً عن خدمات النقل التي تعرف عادة ضغطاً استثنائياً خلال هذه الفترة.
المقلق في المشهد الحالي ليس فقط ارتفاع الأسعار، بل الإحساس العام بأن السوق يخرج أحياناً عن منطق التوازن، ليدخل في دوامة المضاربة والاحتكار واستغلال ارتفاع الطلب الموسمي لتحقيق أرباح سريعة، وهو ما يخلق فجوة واضحة بين القدرة الشرائية للمواطنين والأسعار الفعلية في الأسواق.
فمع كل موسم ديني أو اجتماعي كبير، تتجدد نفس المظاهر: ارتفاع مفاجئ في الأسعار، تفاوتات غير مبررة بين مدينة وأخرى، صعوبة في ضبط مسالك التوزيع، وغياب واضح في بعض الأحيان للرقابة الصارمة، ما يترك المواطن في مواجهة مباشرة مع سوق غير مستقر.
أحد أكثر المواد التي أثارت الجدل في الفترة الأخيرة هي مادة الفحم، التي تعرف عادة طلباً مرتفعاً خلال عيد الأضحى، حيث سجلت أسعارها قفزات كبيرة خلال أسابيع قليلة فقط، ما جعلها تتحول إلى رمز جديد للغلاء الموسمي. هذا الارتفاع الحاد لا يرتبط دائماً بعوامل الإنتاج، بل يُرجعه كثيرون إلى المضاربة وتضخم الوسطاء داخل سلسلة التوزيع.
كما أن قطاع النقل يظل من بين أكثر القطاعات حساسية خلال هذه الفترة، حيث يتزايد الطلب بشكل كبير على الحافلات وسيارات الأجرة، ما يفتح الباب أمام احتمالات رفع غير مبرر للأسعار، خاصة في ظل الضغط الكبير الذي يعرفه تنقل المواطنين بين المدن والقرى.
في هذا السياق، تتعالى أصوات جمعيات حماية المستهلك التي تحذر من استمرار هذا الوضع، معتبرة أن ما يجري يمس بشكل مباشر التوازن الاجتماعي ويضعف الثقة في عدالة السوق، خصوصاً عندما يشعر المواطن أن الأسعار تتحرك خارج أي منطق واضح أو مراقبة فعالة.
وتؤكد هذه الهيئات أن ما يسمى بـ“تجار الأزمات” يستغلون المناسبات الدينية والاجتماعية لرفع الأسعار بشكل غير مبرر، عبر الاحتكار أو تقليص العرض أو التلاعب بمسالك التوزيع، وهو ما يفاقم الضغط على الأسر التي تجد نفسها مضطرة لمجاراة الأسعار مهما كانت مرتفعة.
في المقابل، يرى متابعون أن الإشكال لا يقتصر على سلوك بعض الفاعلين الاقتصاديين فقط، بل يرتبط أيضاً ببنية السوق نفسها، التي ما زالت تعاني من اختلالات في التنظيم والرقابة والشفافية، إضافة إلى ضعف آليات تتبع الأسعار في بعض الفترات الحساسة من السنة.
كما أن غياب الوعي الاستهلاكي الكامل لدى بعض الفئات، وصعوبة الحصول على المعلومة الدقيقة حول الأسعار المرجعية، يساهمان بدورهما في تعزيز حالة الارتباك داخل السوق، وترك المجال مفتوحاً أمام التلاعبات.
الأثر الاجتماعي لهذا الوضع لا يمكن تجاهله، إذ تتحول المناسبة الدينية إلى مصدر ضغط نفسي ومالي لعدد كبير من الأسر، بدل أن تكون مناسبة للراحة والتواصل العائلي. ومع تراكم تكاليف المعيشة خلال السنة، يصبح أي ارتفاع إضافي في الأسعار خلال العيد عبئاً مضاعفاً على ميزانية الأسر.
في ظل هذا السياق، تتجدد الدعوات إلى تدخل أكثر صرامة من الجهات المختصة، ليس فقط عبر المراقبة الظرفية، بل من خلال رؤية شاملة لضبط الأسواق، تشمل محاربة الاحتكار، تنظيم سلاسل التوزيع، وتعزيز الشفافية في تحديد الأسعار، إلى جانب تفعيل العقوبات ضد كل الممارسات غير القانونية.
كما يتم التشديد على أهمية إشراك المواطن في عملية الرقابة، عبر تبسيط آليات التبليغ عن التجاوزات، وتوفير قنوات تواصل فعالة وسريعة للتعامل مع الشكايات، بما يعزز من دور المستهلك كطرف فاعل في ضبط السوق، وليس فقط متضرراً منها.
ويرى خبراء أن استمرار هذه الدورات المتكررة من الغلاء الموسمي دون حلول جذرية، يهدد بخلق فجوة ثقة بين المواطن والسوق، بل ويمس الإحساس العام بالعدالة الاقتصادية، خاصة في المناسبات التي ترتبط بالقيم الدينية والاجتماعية.
في النهاية، يظل السؤال المطروح بقوة مع كل اقتراب لعيد الأضحى: هل نحن أمام ظرفية موسمية عابرة مرتبطة بالطلب، أم أمام خلل بنيوي في تدبير الأسواق يحتاج إلى إصلاح عميق يوازن بين حرية السوق وحماية القدرة الشرائية للمواطنين؟
سؤال يبقى مفتوحاً، فيما الأسر المغربية تواصل الاستعداد للعيد بين رغبة في الاحتفال، وقلق متزايد من “عيدٍ بميزانية مثقلة بالأسعار”.






