تاونات تنزف صحياً.. سنوات من الصمت والاختلالات تضع وزارة الصحة في قلب العاصفة ومطالب عاجلة بتفكيك “منظومة الفشل”

تتواصل حالة الغضب والاحتقان بإقليم تاونات بسبب ما تصفه فعاليات مدنية وحقوقية بـ”الانهيار المقلق” للمنظومة الصحية، في وقت تتزايد فيه معاناة المرضى وسكان المناطق القروية والجبلية الذين وجدوا أنفسهم لسنوات طويلة أمام واقع صحي هش، دون أي تدخل جذري قادر على إنهاء مسلسل الاختلالات التي عمّقت معاناة المواطنين.
وفي هذا السياق، دقت لجنة دعم منكوبي فيضانات تاونات ناقوس الخطر، محذرة من استمرار الأوضاع الكارثية داخل القطاع الصحي بالإقليم، خاصة بالمناطق المتضررة من الفيضانات الأخيرة، حيث تتفاقم معاناة الساكنة في ظل ضعف الخدمات الطبية وشبه غياب للبنيات الصحية القادرة على الاستجابة للحاجيات الأساسية للمرضى.
وأكدت اللجنة، في بلاغ للرأي العام، أن عدداً من المعطيات المتداولة من طرف فعاليات مدنية ونقابية وسياسية، إلى جانب شهادات المواطنين، تكشف حجم الخصاص المهول في الموارد البشرية الطبية والتمريضية، فضلاً عن ضعف التجهيزات الصحية بالمستشفى الإقليمي والمراكز الصحية المنتشرة عبر جماعات الإقليم، وهو ما انعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات الصحية المقدمة للساكنة.
وبات واضحاً، بحسب متابعين، أن الأزمة الصحية بتاونات لم تعد مرتبطة فقط بخصاص عابر أو ظرفية مؤقتة، بل تحولت إلى وضع مزمن استمر لسنوات طويلة دون أي أجوبة حقيقية من الجهات الوصية، رغم تكرار الاحتجاجات والنداءات التي أطلقتها الساكنة والجمعيات المحلية، خصوصاً بالمناطق القروية والجبلية التي تعيش عزلة صحية خانقة.
ويرى فاعلون محليون أن المواطن البسيط والمريض هما من يؤديان اليوم فاتورة هذا التدبير المرتبك، بعدما أصبحت أبسط الخدمات العلاجية تتطلب معاناة يومية طويلة، سواء بسبب غياب الأطر الطبية أو نقص المعدات والأدوية أو تدهور خدمات الاستقبال والعلاج داخل المؤسسات الصحية بالإقليم.
وتحدث البلاغ عن وقائع صادمة تعكس هشاشة الوضع الصحي، من بينها حالة طفلة لم تتلق العلاجات الضرورية بعد إصابة خطيرة على مستوى الوجه، إضافة إلى حادثة امرأة حامل وضعت مولودها داخل سيارة إسعاف، في مشهد اعتبرته اللجنة دليلاً صارخاً على الاستهتار بكرامة المواطنين وسلامتهم الصحية.
كما انتقدت اللجنة ما وصفته بغياب أي تدخلات استعجالية فعالة من طرف الجهات المركزية والجهوية والإقليمية، رغم الاحتجاجات والوقفات التي شهدتها مدن ومراكز الإقليم خلال السنوات الأخيرة، خاصة التحركات التي قادتها “لجنة نداء الكرامة” بكل من تاونات وتيسة وغفساي وقرية با محمد، للمطالبة بإنقاذ القطاع الصحي ورفع التهميش عن المنطقة.
ويؤكد متابعون أن ما يجري بتاونات لم يعد يحتمل مزيداً من التسويف أو الحلول الترقيعية، بل يستدعي تدخلاً مباشراً وعاجلاً من أمين التهراوي من أجل فتح تحقيق شامل في ما يقع داخل القطاع الصحي بالإقليم، وتفكيك ما تصفه فعاليات محلية بـ”منظومة الفشل الإداري والتدبيري” التي راكمت الاختلالات لسنوات دون محاسبة أو تقييم حقيقي.
كما تتصاعد المطالب بضرورة إعادة النظر في طريقة تدبير القطاع الصحي بالإقليم، خصوصاً بعد الجدل الذي أثاره استمرار المندوب الإقليمي لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية في مهامه لما يقارب ثماني سنوات، وهو ما اعتبرته اللجنة أمراً يطرح تساؤلات كبيرة حول الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل القطاع.
وطالبت اللجنة وزارة الصحة بالتدخل المستعجل لتعزيز الموارد البشرية الطبية والتمريضية، وتوفير الأطر المتخصصة والأدوية الأساسية، إلى جانب تجهيز المؤسسات الصحية بالمعدات الضرورية وضمان استمرارية الخدمات العلاجية، خاصة بالمناطق المتضررة والمعزولة.
كما دعت إلى توفير وحدات طبية متنقلة لفك العزلة الصحية عن الدواوير الجبلية والقروية، مع فتح تحقيق إداري وقانوني لتحديد أسباب التدهور الخطير الذي تعرفه البنيات الصحية بالإقليم وترتيب المسؤوليات اللازمة.
وفي ظل استمرار هذا الوضع، تتزايد الأصوات المطالبة بإعلان إقليم تاونات منطقة منكوبة صحياً واجتماعياً، بالنظر إلى حجم المعاناة التي تعيشها الساكنة، خاصة بعد الفيضانات الأخيرة التي عمقت هشاشة البنيات التحتية والخدمات الأساسية.
وعبرت اللجنة أيضاً عن تضامنها مع الصحفي ياسين بودبزة، على خلفية الشكاية التي رفعها ضده المندوب الإقليمي لوزارة الصحة، معتبرة أن اللجوء إلى القضاء ضد الأصوات الإعلامية المنتقدة لا يمكن أن يحجب حقيقة الأزمة الصحية التي يعيشها الإقليم، ولا أن يوقف المطالب الشعبية المتزايدة بإنقاذ قطاع بات يثير القلق والغضب في آن واحد.
ويبدو أن تاونات اليوم تقف أمام لحظة حاسمة، عنوانها الأبرز أن صحة المواطنين لم تعد تحتمل المزيد من الانتظار، وأن استمرار الوضع على ما هو عليه يهدد بتحويل معاناة الساكنة إلى أزمة إنسانية وصحية مفتوحة، في إقليم ظل لسنوات طويلة خارج أولويات التنمية الصحية الحقيقية.






