اقتصاد

نقاش سيادي حول حكامة تدبير الاستثمار العمومي داخل صندوق الإيداع والتدبير بين جدلية الاستعانة بالعقلية الأجنبية وتمكين الكفاءات المغربية من مواقع القرار الاستراتيجي

لا يمكن قراءة النجاحات الكبرى التي حققتها المملكة المغربية في السنوات الأخيرة بمعزل عن “فلسفة السيادة” التي أرسى دعائمها جلالة الملك محمد السادس. وهي الفلسفة التي تجلت في أبهى صورها عندما قرر المغرب وضع ثقته في “ابن الدار” الناخب الوطني لتمثيل الراية المغربية، محطماً بذلك أسطورة “الخبير الأجنبي المنقذ”. هذه الروح التي سكنت ملاعب كرة القدم لم تكن مجرد اختيار رياضي، بل هي “مانيفيستو” سياسي يمتد ليشمل تدبير الاستثمار والمؤسسات العمومية الكبرى، وعلى رأسها صندوق الإيداع والتدبير (CDG).

1. “مغربة” القرار: أبعد من مجرد هوية

عندما اختار المغرب أن يقود منتخبَه إطارٌ وطني، كان يبعث برسالة للعالم: “نحن نملك الكفاءة، ونملك الإرادة”. واليوم، يطرح السؤال نفسه بحدة داخل أروقة المؤسسات الاستراتيجية: لماذا لا يزال البعض يلهث خلف “المدير الأجنبي” في قطاعات استثمارية حساسة؟

إن الاعتماد على الأطر المغربية في تدبير الاستثمار العمومي ليس نزعة “شوفينية” ضيقة، بل هو ضرورة أمنية واقتصادية. فالإطار المغربي لا يملك الشهادة العلمية فحسب، بل يمتلك “الغيرة الوطنية” والارتباط الوجداني بالسياق المحلي، وهو ما يجعله أكثر قدرة على اتخاذ قرارات تخدم المصلحة القومية العليا، بعيداً عن منطق “العقود الجاهزة” التي غالباً ما يطبقها الأجانب دون مراعاة لخصوصية النسيج الاجتماعي المغربي.

2. مؤسساتنا الاستراتيجية.. هل هي حقل تجارب للأجانب؟

يثير استمرار الاستعانة بمدراء أجانب في مناصب عليا داخل مؤسسات كـ “صندوق الإيداع والتدبير” علامات استفهام كبرى حول “الحكامة البشرية”. فإذا كان المغرب قد نجح في تصدير كفاءات مغربية لإدارة كبريات المصارف والشركات العالمية في “وول ستريت” و”لا ديفانس”، فمن غير المقبول أن نجد مراكز القرار الاستثماري في عقر دارنا تُدار بعقليات غريبة عن الواقع الوطني.

إن القطع مع الأجانب في مراكز القرار السيادي لا يعني الانغلاق، بل يعني “الاستقلال الإداري”. فالمرحلة الحالية تقتضي توفير مناخ اشتغال للأطر المغربية يحميها من “عقدة الخواجة”، ويمنحها الصلاحيات الكاملة لممارسة دورها القيادي، بدل حصرها في أدوار تنفيذية ثانوية بينما يتقاضى “الخبير الأجنبي” رواتب فلكية من مال الشعب مقابل استشارات يمكن الحصول عليها بضغطة زر.

3. البعد الأمني والسياسي: لا مكان لأعداء الوحدة الترابية

وهنا نصل إلى النقطة الأكثر حساسية في هذه الفلسفة: الاستثمار والسيادة لا يجتمعان مع العداء. من غير المنطقي، بل ومن الخطر، استقدام أطر أو شركات استشارية تنتمي لدول تكنُّ العداء الصريح للمملكة المغربية، أو تصطف في “المنطقة الرمادية” تجاه قضيتنا الوطنية الأولى (الصحراء المغربية).

“إن الذي لا يعترف بمغربية الصحراء، لا يمكن أن يكون شريكاً في بناء مستقبل المغرب الاقتصادي.”

إن تنقية بيئة الاستثمار من الاختراقات المرتبطة بدول معادية للوحدة الترابية هو جزء من “الأمن القومي الاقتصادي”. فالمستشار الأجنبي الذي لا يحترم سيادة الدولة التي يعمل فيها، قد يتحول إلى أداة لتعطيل المشاريع أو تسريب المعطيات الاستراتيجية و الدخول في عالم التجسس. لذا، يجب أن تخضع صفقات “التوظيف العالي” والتعاقدات الاستشارية لتدقيق صارم يربط بين الولاء للمصالح المغربية وبين الكفاءة المهنية.

4. الكلل الإداري والحاجة إلى “مدرسة تدبير مغربية”

يعاني الجسم الإداري في بعض المؤسسات من “كلل” ناتج عن غياب التدرج المهني العادل. عندما يتم القفز على الكفاءات الوطنية الشابة لتعيين أجانب أو “بروفايلات” مفروضة، يُصاب النسيج الداخلي بالإحباط، مما يؤدي إلى هجرة الأدمغة.

الحل يكمن في بناء “مدرسة تدبير مغربية” داخل المؤسسات الاستراتيجية، تقوم على:

  • التكوين المستمر: نقل الخبرة من الرعيل الأول إلى الشباب.

  • الاستحقاق الكامل: معايير واضحة للترقي لا تحابي إلا الكفاءة والوطنية.

  • الشفافية في التعيينات: القطع مع منطق “الولاءات الشخصية” واعتماد منطق “النتائج والمحاسبة”.

5.  السيادة كلٌّ لا يتجزأ

إن تجربة “الناخب الوطني” و فلسفة جلالة الملك محمد السادس أثبتت أن النجاح المغربي لا يحتاج إلى “وصاية أجنبية”، بل يحتاج إلى “ثقة ملكية” و”إرادة شعبية” و”كفاءة وطنية”. إن معركة الاستثمار في المغرب الجديد تتطلب جيلاً من المسؤولين الذين يؤمنون بأن “المغاربة أولى بإدارة ثرواتهم”.

لقد حان الوقت لوضع حد لسطوة “العقدة الأجنبية” في الصناديق الاستراتيجية، وتعبئة الكفاءات المغربية (في الداخل والخارج) لقيادة قاطرة التنمية. فالسيادة الاقتصادية ليست مجرد أرقام، بل هي قرار يُتخذ بعقل مغربي، وقلب ينبض بحب الوطن، ويدٍ لا ترتجف أمام الضغوط الخارجية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى