اقتصاد

البنك الدولي: المغاربة يمتلكون الحسابات البنكية ويعجزون عن الادخار

كشف تقرير البنك الدولي حول الشمول المالي العالمي لسنة 2025 عن مفارقة لافتة في السياق المغربي، حيث بيّنت الأرقام أن شريحة مهمة من المغاربة تملك حسابات بنكية، إلا أن الغالبية تعجز عن الادخار أو الاستفادة الفعلية من خدمات مالية رقمية مستدامة، وهو ما يضع علامات استفهام كبرى حول مدى نجاعة السياسات العمومية في مجال التمكين المالي وتعزيز الشمول الاقتصادي للفئات الاجتماعية المختلفة.

التقرير، الذي يغطي وضعية الدول المنخفضة والمتوسطة الدخل، أشار إلى تحقيق إنجاز تاريخي في نسب الولوج إلى الحسابات البنكية على المستوى العالمي، بفضل الانتشار المتزايد لخدمات الهاتف المحمول والخدمات المالية الرقمية. إلا أن المغرب ظل يسير بوتيرة متذبذبة، حيث لا يتجاوز عدد البالغين الذين يمتلكون حسابات مصرفية نسبة 44 في المائة، بينما لا يستعمل هذه الحسابات في الدفع أو التحويل سوى 32 في المائة. وهي نسبة تؤكد استمرار ضعف التفاعل المالي الرقمي في الحياة اليومية للمواطنين.

الأخطر أن معدل الادخار لا يتجاوز 6 في المائة من البالغين، رغم كل ما يُروّج حول فرص التمويل والتشجيع على الانخراط في الخدمات البنكية. وهذا ما يعكس إما عجزًا ماديًا لدى شريحة واسعة من المواطنين، أو غيابًا للثقة في النظام المالي، أو ببساطة ضعفًا في الثقافة البنكية والمالية بشكل عام.

وبحسب معطيات التقرير، فإن 90 في المائة من المغاربة البالغين يمتلكون هواتف محمولة، بينما يستعمل 65 في المائة منهم الإنترنت. لكن المفارقة أن 40 في المائة من مستعملي الهواتف يستخدمون بطاقات “سيم” غير مسجلة بأسمائهم، ما يشير إلى هشاشة العلاقة بين المواطن ومنظومة الخدمات الرسمية، ويؤكد أن التوسع الرقمي لم يُترجم إلى تمكين مالي فعلي.

وعلى مستوى الشفافية البنكية، بيّن التقرير أن 10 في المائة من الأشخاص الذين يتقاضون رواتبهم في حساباتهم البنكية، أبلغوا عن اقتطاعات أو رسوم غير متوقعة لحظة سحب أموالهم. وهو ما قد يعود إلى غياب الوضوح في بنود التعاقد، أو ضعف الفهم لكيفية تشغيل هذه الحسابات، ما يفاقم أزمة الثقة، ويجعل المواطن المغربي عرضة لتكاليف خفية في غياب إرشاد مالي فعّال.

البنك الدولي دعا إلى تحسين اللوائح المنظمة، وإلزام مقدمي الخدمات بتوضيح الرسوم الإلزامية وتلك التي يمكن تفاديها، إلى جانب تعزيز برامج التكوين المالي الموجهة، خاصة للفئات الهشة والنساء والشباب، باعتبارهم الأكثر تضررًا من الغموض البنكي ومن محدودية الوسائل الرقمية الموجهة لهم.

التقرير أشار أيضًا إلى تباين نسبي بين الجنسين في التوفر على الهواتف المحمولة، حيث يمتلك 93 في المائة من الرجال هاتفًا، مقابل 87 في المائة من النساء. وهو تفاوت يعكس استمرار الفجوة الرقمية التي تحول دون استفادة النساء من أدوات الشمول المالي بنفس الدرجة، ويؤكد الحاجة إلى تبني مقاربات دامجة وواقعية، تأخذ بعين الاعتبار الحواجز الاجتماعية والتقنية والثقافية التي تواجه فئات واسعة من المجتمع المغربي.

وفي ظل هذه المؤشرات، يتأكد أن الشمول المالي في المغرب لا يمكن قياسه فقط بعدد الحسابات المفتوحة، بل بمدى الاستفادة الفعلية من هذه الحسابات في التمكين الاقتصادي، وتعزيز الكرامة المالية، وتحقيق الاستقلالية الفردية. وهو ما يفرض مراجعة شاملة للسياسات المعتمدة، وتنسيقًا أكبر بين السلطات المالية، والبنوك، ومؤسسات التكوين، من أجل تحويل الشمول المالي من هدف إحصائي إلى واقع اجتماعي ملموس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى