نهاية وكالات تنفيذ المشاريع وبداية مرحلة جديدة: الداخلية تعيد رسم هندسة التدبير الترابي بشركات جهوية تحت إمرة الولاة

في تحول مؤسساتي لافت يعكس مراجعة عميقة لمسار تدبير المشاريع الجهوية، كشف مشروع القانون التنظيمي القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، والذي صادق عليه المجلس الوزاري الأخير، عن توجه واضح نحو إنهاء مرحلة “وكالات تنفيذ المشاريع”، وتعويضها بنموذج جديد قائم على شركات مساهمة جهوية، في خطوة تحمل دلالات قوية على فشل تجربة سابقة طبعتها اختلالات بنيوية في الحكامة والتدبير.
سقوط نموذج الوكالات: اختلالات وغش في تنفيذ المشاريع
على امتداد السنوات الماضية، أُنيطت بوكالات تنفيذ المشاريع مهام تنزيل عدد من الأوراش التنموية عبر مختلف جهات المملكة، غير أن هذه التجربة سرعان ما أبانت عن محدوديتها، بعدما تكشفت تقارير ومعطيات ميدانية عن اختلالات متعددة شابت إنجاز مشاريع حيوية، تراوحت بين تأخر غير مبرر في التنفيذ، وضعف الجودة، وصولاً إلى حالات وُصفت بـ”الغش المفضوح” في بعض الأوراش.
هذه الاختلالات لم تكن معزولة، بل عكست أعطاباً عميقة في منظومة الحكامة، سواء على مستوى المراقبة أو نجاعة التدبير، ما دفع وزارة الداخلية إلى التدخل لإعادة هيكلة هذا الورش، ووضع حد لنموذج لم يعد قادراً على مواكبة رهانات التنمية الترابية.
شركات مساهمة جهوية: نموذج جديد تحت إشراف الولاة
في هذا السياق، ينص مشروع القانون الجديد على تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة تحمل اسم “الشركة الجهوية لتنفيذ المشاريع”، تخضع لأحكام القانون التنظيمي وللقانون رقم 17.95 المتعلق بشركات المساهمة، مع نظام أساسي خاص يؤطر عملها.
ويكرس هذا التحول انتقالاً نحو نموذج تدبيري أكثر صرامة ومرونة في الآن ذاته، حيث توضع هذه الشركات تحت إشراف مباشر لولاة الجهات، بما يعزز آليات المراقبة والتتبع، ويضمن انسجام المشاريع مع التوجهات الاستراتيجية للدولة.
كما ينص المشروع على تعيين المدير العام لهذه الشركات بقرار من وزير الداخلية، مع فرض حالة تنافٍ صارمة تمنع الجمع بين هذه المسؤولية وأي انتداب انتخابي أو مهام أخرى، في خطوة تستهدف القطع مع تضارب المصالح الذي طبع المرحلة السابقة.
تعزيز الرقابة وربط المسؤولية بالمحاسبة
ومن أبرز مستجدات هذا الإصلاح، إخضاع العمليات المالية والمحاسبية لهذه الشركات لافتحاص سنوي مشترك من طرف المفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية، مقابل إعفائها من بعض أشكال المراقبة التقليدية، وهو ما يعكس توجهاً نحو اعتماد آليات رقابة أكثر نجاعة وفعالية.
كما ألزم المشروع المدير العام بتقديم حصيلة سنوية مفصلة أمام مجلس الجهة، بما يعزز مبدأ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، في وقت يحتفظ فيه والي الجهة بصلاحيات المصادقة على وثائق استراتيجية، من بينها الميزانية وبرنامج العمل والاتفاقيات.
جهات أقوى بموارد مالية موسعة واختصاصات أوسع
ولم يقتصر الإصلاح على الجانب المؤسساتي، بل شمل أيضاً تعزيز القدرات المالية للجهات، من خلال الرفع من سقف الاعتمادات بنسبة 20 في المائة، وتخصيص موارد قارة من عائدات الضرائب، تشمل 5% من الضريبة على الشركات، و5% من الضريبة على الدخل، و20% من الرسم على عقود التأمين.
كما نص المشروع على تحويلات مالية سنوية لا تقل عن 12 مليار درهم لفائدة الجهات ابتداء من سنة 2027، في خطوة تهدف إلى تمكينها من ممارسة اختصاصاتها بشكل فعلي ومستقل.
وعلى مستوى الاختصاصات، وسّع النص الجديد مجالات تدخل الجهات لتشمل دعم الاستثمار، وتعبئة العقار، وإحداث مناطق اقتصادية، إلى جانب تطوير الرقمنة والتعاون الدولي، فضلاً عن تعزيز دورها في التنمية القروية والبنيات التحتية.
تحول استراتيجي أم إعادة ضبط مرحلية؟
هذا التحول من وكالات تنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة جهوية لا يمكن قراءته فقط كإجراء تقني، بل يعكس إرادة واضحة لإعادة ضبط مسار الجهوية المتقدمة، وتصحيح اختلالات مرحلة سابقة لم تحقق الأهداف المرجوة.
وبين رهان النجاعة ومتطلبات الحكامة، يبقى نجاح هذا النموذج الجديد رهيناً بمدى قدرته على القطع مع ممارسات الماضي، وترسيخ ثقافة التدبير المبني على الشفافية والكفاءة، في أفق تحقيق تنمية ترابية متوازنة ومستدامة.






