الدورة الربيعية تفتح “ملف الصحة” على وقع اختناق الإصلاح: أوراش متعثرة، ضغط اجتماعي متصاعد، وأسئلة مساءلة حادة داخل البرلمان

دورة برلمانية تحت ضغط الواقع الصحي
تدخل المؤسسة التشريعية بالمغرب أشغال الدورة الربيعية في سياق سياسي واجتماعي دقيق، يتصدره ملف الصحة كأحد أكثر الملفات حساسية وإثارة للنقاش العمومي، في ظل تزايد مؤشرات التوتر داخل المنظومة الصحية، وتنامي شكايات المواطنين المرتبطة بصعوبة الولوج إلى العلاج، وضعف الخدمات، واختلالات التدبير داخل عدد من المستشفيات العمومية.
وفي الوقت الذي كان يُفترض أن يشكل هذا الموسم التشريعي محطة لتقييم تقدم الإصلاحات الكبرى التي تم الإعلان عنها في القطاع، يجد البرلمان نفسه أمام واقع ميداني ضاغط يفرض إعادة طرح الأسئلة الجوهرية حول نجاعة السياسات العمومية الصحية، وحدود ما تحقق من أوراش إصلاحية على الأرض.
أوراش استشفائية معلنة… بطء في التنفيذ يثير القلق
ضمن أبرز محاور النقاش، يعود ملف المشاريع الاستشفائية الكبرى إلى الواجهة، خاصة تلك التي تم الإعلان عن برمجتها في إطار خطة وطنية تروم تعزيز الطاقة الاستيعابية للمستشفيات بما يقارب 3000 سرير إضافي عبر 15 مشروعاً موزعاً على مختلف جهات المملكة.
غير أن المعطيات البرلمانية المتداولة داخل هذه الدورة تشير إلى أن وتيرة الإنجاز لا تزال أقل من مستوى التطلعات، حيث يطرح عدد من النواب والمستشارين تساؤلات حول الجدولة الزمنية الحقيقية لهذه المشاريع، ومدى احترام آجال التنفيذ، خصوصاً في المناطق التي تعاني أصلاً من خصاص حاد في البنيات التحتية الصحية.
هذا البطء في التنزيل يفتح باب النقاش حول الفجوة القائمة بين الإعلان السياسي والإخراج الميداني، وهو ما يضع الوزارة الوصية في موقع مساءلة مباشر داخل قبة البرلمان.
المجموعات الصحية الترابية… ورش إصلاحي يواجه اختبار الواقع
في قلب الإصلاح الصحي، يبرز ورش المجموعات الصحية الترابية كأحد التحولات البنيوية الكبرى التي يُعوَّل عليها لإعادة هيكلة المنظومة الصحية، عبر نقل جزء من تدبير القطاع إلى مستوى جهوي أكثر قرباً من المواطن.
لكن هذا الورش، رغم طابعه الاستراتيجي، يواجه اليوم نقاشاً واسعاً حول مدى نضج شروط تنزيله، خاصة في ظل تفاوتات مجالية كبيرة، وصعوبات مرتبطة بتوحيد أنماط التدبير، وتحديد المسؤوليات بين المركز والجهات.
وقد طُرحت داخل البرلمان تساؤلات دقيقة حول مدى تقدم هذه التجربة في بعض الجهات النموذجية، وعلى رأسها جهة طنجة تطوان الحسيمة، مع الدعوة إلى تقييم موضوعي مبني على مؤشرات واضحة قبل تعميمها على باقي جهات المملكة.
التحول الرقمي… رهان معلن بإنجازات غير مكتملة
إلى جانب الإصلاح المؤسساتي، يظل ورش التحول الرقمي داخل القطاع الصحي أحد الركائز المعلنة لتحسين جودة الخدمات، من خلال رقمنة الملفات الطبية، وتسهيل مسار المرتفقين، وتقليص الضغط الإداري على المستشفيات.
غير أن هذا الورش، وفق ملاحظات برلمانية متقاطعة، لا يزال يعرف بطئاً في التفعيل، حيث ما زالت العديد من المؤسسات الصحية تعتمد على أنظمة تقليدية، ما يحد من فعالية الإصلاح الرقمي ويؤثر على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
هذا الوضع يعيد طرح سؤال الجاهزية التقنية والبشرية للمؤسسات الصحية، وقدرتها على مواكبة التحول الرقمي المعلن.
المستشفيات العمومية تحت الضغط: اكتظاظ وشكايات واختلالات تدبيرية
على أرض الواقع، يواجه القطاع الصحي ضغطاً متزايداً داخل المستشفيات العمومية، سواء على مستوى الأقاليم أو الجهات، حيث تتزايد حالات الاكتظاظ داخل أقسام المستعجلات، وتطول فترات الانتظار، وتتعاظم الشكايات المرتبطة بنقص التجهيزات والأطر الطبية.
كما تطرح اختلالات مرتبطة بتدبير الصفقات العمومية داخل القطاع، إلى جانب تعثرات في صيانة بعض البنيات الاستشفائية، ما أدى في حالات معينة إلى خروج بعض المستشفيات الإقليمية عن الخدمة أو اشتغالها بطاقة محدودة.
هذا الوضع يفاقم من منسوب التوتر الاجتماعي المرتبط بالحق في العلاج، ويضع المنظومة الصحية أمام اختبار صعب على مستوى الثقة.
مساءلة سياسية متصاعدة داخل البرلمان
في هذا السياق، برزت مبادرات مساءلة برلمانية من داخل فرق ومجموعات نيابية، حيث تم توجيه أسئلة كتابية مباشرة إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية حول حصيلة تنزيل الإصلاحات، ومدى تقدم المشاريع الاستشفائية المعلنة، وفعالية المجموعات الصحية الترابية.
وقد ركزت هذه المبادرات على ضرورة تقديم معطيات دقيقة حول الجدولة الزمنية للمشاريع، وتوزيعها الجغرافي، ومدى مساهمتها في تقليص الفوارق المجالية، إضافة إلى تقييم موضوعي لورش التحول الرقمي داخل القطاع.
وتأتي هذه الأسئلة في سياق عام يتسم بتزايد الضغط السياسي والحقوقي حول أداء المنظومة الصحية.
بين خطاب الإصلاح وواقع التنفيذ: فجوة مستمرة
ما يميز النقاش الحالي داخل الدورة الربيعية هو اتساع الفجوة بين الخطاب الإصلاحي المعلن والواقع التنفيذي، حيث تتعدد المشاريع والبرامج، لكن أثرها الميداني لا يزال محدوداً في عدد من المناطق، خاصة تلك التي تعاني من خصاص تاريخي في البنيات الصحية.
هذه الفجوة تعيد إلى الواجهة سؤال الحكامة في تدبير القطاع، ومدى قدرة الإصلاحات الحالية على إحداث تحول فعلي في جودة الخدمات، وليس فقط على مستوى البنية التنظيمية.
دورة ربيعية حاسمة لقطاع تحت المجهر
تبدو الدورة الربيعية الحالية محطة مفصلية في مسار النقاش حول إصلاح القطاع الصحي، ليس فقط لأنها تطرح ملفات تقنية أو إجرائية، بل لأنها تضع المنظومة الصحية برمتها أمام اختبار الثقة والفعالية.
وبين مشاريع استشفائية متعثرة، ومجموعات صحية ترابية قيد التفعيل، وتحول رقمي لم يكتمل بعد، ومؤسسات صحية تحت ضغط متزايد، يبدو أن السؤال المركزي الذي سيهيمن على هذه الدورة هو: هل ينجح الإصلاح الصحي في الانتقال من مرحلة الإعلان إلى مرحلة الأثر الملموس على حياة المواطنين؟






