فضيحة هدم فيلا تاريخية تُطيح برجال السلطة وتُعيد طرح سؤال حماية الذاكرة المعمارية

أعلنت وزارة الداخلية قرارها بعزل باشا الدائرة الثالثة بالمعاريف وقائد ملحقة أنوال التابعين لعمالة مقاطعات آنفا في الدار البيضاء، وذلك على خلفية تورطهما في قضية هدم غير قانوني لفيلا تاريخية مصنّفة ضمن التراث العمراني بالحي ذاته. جاء هذا القرار بعد أن مثُل الرجلان أمام لجنة التأديب المركزية التي بحثت تفاصيل هذا الملف المثير للجدل، قبل أن يؤدي ذلك إلى قرار العزل الإداري لهما من مهامهما.
السلطات المركزية تعتزم، وفق مصادر متطابقة، إحالة الملف على النيابة العامة المختصة لإجراء تحقيق قضائي معمّق، في خطوة تُظهر أن الواقعة لم تكن مجرد خطأ إداري عابر، بل قد تنطوي على انتهاكات واضحة للقوانين المتعلقة بحماية المباني التاريخية.
تكشف المعطيات المتوفرة أن البناية المستهدفة كانت مصنّفة ضمن الإرث التاريخي والمعماري حسب تصميم التهيئة المعتمد، وهو تصنيف يجعلها محمية بمقتضى القانون، ولا يمكن المساس بها إلا عبر مساطر قانونية واضحة. ومع ذلك، فقد تم إقناع قاطني الفيلا بأنها على وشك الانهيار لتسهيل إخلائهم، قبل الشروع في عملية الهدم دون أي قرار رسمي صادر عن مصالح جماعة الدار البيضاء أو مقاطعة المعاريف.
هذه الوقائع تطرح أكثر من علامة استفهام حول دور رجال السلطة في الإشراف على احترام القانون، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بحماية المعمار التاريخي للمدينة، وهو رصيد ثقافي لا يُعوَّض ولا ينبغي أن يكون محل تجاوزات أو استنسابية.
التحرك العاجل لوزارة الداخلية جاء بعد ورود شكاية من سكان الفيلا الذين تم إفراغهم، وهي خطوة تُظهر أن السلطات لم تتخذ أي إجراء وقائي قبل تنفيذ الهدم، بل كان القرار مفاجئًا حتى للسكان أنفسهم.
الخبر أثار ردود فعل في أوساط المجتمع المدني ونشطاء حماية التراث، الذين عبروا عن استيائهم من أن أرواح مبانٍ تحمل ذاكرة حضارية وهويتها قد تُهدم بقرارات ارتجالية أو تدخلات غير قانونية. ومن المتوقع أن تشمل التحقيقات القادمة تحديد جميع الأطراف المتورطة في هذا الملف، بما في ذلك أصحاب النفوذ أو الوسطاء الذين قد يكون لهم دور في تسهيل تنفيذ هذه العملية المخالفة للقانون.
قرار العزل الإداري لا يعد نهاية المطاف، بل بداية سلسلة من الإجراءات القانونية التي قد تسلط الضوء ليس فقط على فساد إداري، بل على ضعف في آليات الحماية الحقيقية للتراث العمراني في الدار البيضاء. فقد أثبتت هذه القضية أن وجود تصنيف قانوني للمبنى لا يكفي وحده لحمايته إذا لم تتوافر إرادة رادعة وضمانات حقيقية لعدم المساس به.
ومع استمرار البحث من طرف النيابة العامة واللجنة المركزية، فإن المجتمع المدني ومهتمّي التراث المحلي سيتابعون عن كثب ما إذا كانت هذه الخطوة ستترجم إلى محاسبة حقيقية لمسؤولي الدولة على الأرض، أو إذا ما ستظل العواقب الإدارية وحدها بلا ردع قوي لمثل هذه التجاوزات.






