سياسة

تحليل إخباري : عمدة فاس عبد السلام البقالي في قلب عاصفة الغضب: من تصوير “الحلايقية” ببوجلود إلى فضيحة استقبال رسمي لمؤثر كويتي مغمور… تساؤلات حارقة حول تبديد المال العام وفشل التدبير

بوجلود… من إعادة الإحياء إلى محاولة السطو الرمزي على الإنجاز

شهدت ساحة باب أبي الجنود، المعروفة بفضاء “بوجلود”، خلال الأسبوع المنصرم، مشهدًا أثار الكثير من الجدل، بعدما ظهر عمدة فاس، عبد السلام البقالي، وهو يتجول بين “الحلايقية” ممسكًا بهاتفه الشخصي، يوثق اللحظات ويصور المشاهد، في خطوة اعتبرها متتبعون محاولة لتقديم نفسه كفاعل رئيسي في إعادة الحياة إلى هذا الفضاء الحيوي. غير أن الوقائع الميدانية والمعطيات المتداولة تفيد بأن إعادة فتح الساحة وإنعاشها لم يكن نتيجة مبادرة من المجلس الجماعي، بل جاء أساسًا بفعل تدخل سلطات ولاية الجهة بعد سنوات من الإغلاق، وهو ما يطرح إشكالًا جوهريًا حول موقع الجماعة في هذه العملية، وأين كان العمدة طيلة السنوات الماضية دون اتخاذ مبادرة عملية لإعادة الاعتبار لهذا الفضاء الذي يشكل رئة ثقافية وسياحية واقتصادية للمدينة. هذا التناقض بين الواقع ومحاولة تسويق صورة مغايرة يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول حدود المسؤولية السياسية وأخلاقيات الفعل العمومي.

من التدبير إلى الاستعراض… حين يتحول المنتخب إلى “موثق للفرجة”

المشهد ذاته لم يُقرأ فقط في سياق تواصلي عابر، بل اعتُبر من طرف عدد من المتابعين دلالة على انزياح في طبيعة الممارسة التدبيرية، حيث يُفترض في عمدة مدينة بحجم فاس أن ينشغل ببلورة السياسات العمومية المحلية ومعالجة الإشكالات البنيوية، لا أن يتحول إلى موثق لمشاهد الفرجة الشعبية. تصوير “الحلايقية”، وهم يمثلون فئة اجتماعية هشة تعتمد على مورد يومي محدود، أثار بدوره نقاشًا أخلاقيًا حول حدود استثمار صور الفئات الهشة وسرقة أحذية المجاهدين و توظيفها في الخطاب السياسي، خصوصًا عندما يتم ذلك في غياب سياسات اجتماعية واقتصادية تضمن كرامتهم واستقرارهم. وفي هذا السياق، يذهب عدد من الفاعلين إلى اعتبار أن هذا السلوك يعكس اختلالًا في ترتيب الأولويات، حيث يتم التركيز على الصورة بدل المضمون، وعلى اللحظة بدل الاستراتيجية، وهو ما يعمق الفجوة بين انتظارات الساكنة وأداء المنتخبين.

فضيحة الاستقبال… حين تُختزل رمزية المدينة في “مؤثر مغمور”

في سياق لا يقل إثارة للجدل، فجّرت واقعة استقبال مؤثر كويتي وُصف بكونه “غير معروف” موجة واسعة من الانتقادات، خاصة بالنظر إلى طبيعة الاستقبال الذي حظي به داخل المؤسسة الجماعية. فبحسب المعطيات المتداولة، تم استقدام هذا المؤثر  في ظروف مجهولة بمبادرة من نائب بمقاطعة أكدال، محمد ادزيري، قبل أن يتم تخصيص استقبال رسمي له بحضور منتخبين ومسؤولين، وتسليمه “الدفتر الذهبي” للمدينة لتوقيعه، إضافة إلى تقديم هدايا من المال العام، ولم يتبقى له سوى تسليمه مفتاح العاصمة العلمية  في مشهد يُحيل عادة على استقبال شخصيات وازنة أو شركاء استراتيجيين. هذا الحدث طرح تساؤلات حادة حول المعايير المعتمدة في تمثيل المدينة واستقبال ضيوفها،و أن من إستقدم المؤثر حاول توريط حتى جهات أخرى وحول مدى انسجام هذه الممارسات مع التحديات الحقيقية التي تواجهها فاس، خصوصًا في ظل الحديث عن محدودية تأثير هذا المؤثر وعدم امتلاكه لقاعدة جماهيرية تبرر هذا المستوى من البروتوكول.

المال العام تحت المجهر… بين الهدايا والبروتوكول وغياب الأولويات

الجدل لم يقف عند حدود الرمزية، بل امتد ليشمل مسألة تدبير المال العام، حيث اعتبر عدد من المتتبعين أن تخصيص موارد عمومية لاستقبال مؤثر مغمور، وتقديم هدايا له، يندرج ضمن ممارسات تفتقر إلى الحكامة الجيدة وترشيد النفقات، خصوصًا في ظل الإكراهات المالية والاجتماعية التي تعيشها المدينة. ويُطرح في هذا السياق سؤال محوري حول مدى خضوع مثل هذه النفقات لمعايير الشفافية والمساءلة، وحول الأولويات الحقيقية للمجلس الجماعي، في وقت تحتاج فيه المدينة إلى استثمارات موجهة نحو تحسين الخدمات الأساسية والبنيات التحتية. كما يثير هذا الملف نقاشًا أوسع حول آليات الرقابة على صرف المال العام، ودور المؤسسات المعنية في تتبع وتقييم مثل هذه المبادرات.

سقطة سياسية مدوية… من جماعة فاس إلى مجلس الجهة: استقبال “المؤثر المغمور” يجرّ مسؤولين إلى دائرة المساءلة

في خضم هذا الجدل المتصاعد، يتعمق النقاش أكثر مع اتساع دائرة المسؤولية، بعدما لم يعد الأمر مقتصرًا على جماعة فاس فقط، بل امتد ليشمل كذلك نواب رئيس مجلس جهة فاس مكناس، الذين وجدوا أنفسهم بدورهم في قلب الانتقادات، عقب تخصيص استقبال رسمي وحار لنفس المؤثر الكويتي المغمور داخل مقر الجهة. هذا التورط المتعدد المستويات، الذي شمل عمدة المدينة عبد السلام البقالي وأعضاء مكتبه، ورئيس مقاطعة أكدال، إلى جانب نواب رئيس الجهة، يُنظر إليه من طرف متتبعين كـ”سقطة سياسية وتدبيرية جماعية” تطرح أكثر من علامة استفهام حول معايير اتخاذ القرار داخل هذه المؤسسات. فكيف يتم تقديم شخص لا يمتلك أي وزن مؤسساتي أو تأثير إعلامي يُذكر بهذا الشكل البروتوكولي المبالغ فيه، وكأن المدينة والجهة تعانيان فراغًا في الكفاءات والطاقات المحلية؟ ولماذا يتم تسخير إمكانيات عمومية واستقبالات رسمية لشخصية لا تضيف قيمة فعلية لصورة فاس أو الجهة؟ هذه المعطيات تعزز المطالب بفتح تحقيق شامل ودقيق في خلفيات هذا الاستقبال وأهدافه الحقيقية، وترتيب المسؤوليات على ضوء ما جرى، خاصة وأن القضية لم تعد مجرد خطأ بروتوكولي، بل تحولت إلى مؤشر مقلق على اختلال في تدبير الصورة المؤسساتية وهدر محتمل للموارد، في وقت تنتظر فيه الساكنة قرارات تنموية حقيقية لا “مناسبات عابرة” تثير الكثير من الجدل.

تناقض صارخ… إعلام محلي مُقصى و”ضيوف عابرون” في الواجهة

في موازاة ذلك، يطفو على السطح تناقض لافت يتمثل في ما يصفه مهنيون بـ”التضييق على الصحافة المحلية”، مقابل الانفتاح الكبير على مؤثرين أجانب لا يرتبطون بالضرورة بمشاريع تنموية أو إعلامية ذات أثر ملموس على المدينة. هذا الوضع يطرح إشكالية العلاقة بين المؤسسة المنتخبة والإعلام المحلي، ودور هذا الأخير في نقل هموم الساكنة وتتبع الشأن العام. فإقصاء الصحافة المحلية من التغطية والمتابعة، في مقابل منح مساحة واسعة لوجوه عابرة، قد يُفهم على أنه اختلال في فهم دور الإعلام كشريك أساسي في ترسيخ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو ما يزيد من حدة الانتقادات الموجهة إلى المجلس الجماعي.

اختلالات التدبير… أرقام ضخمة ونتائج محدودة

بعيدًا عن هذه الوقائع الظرفية، تبرز مؤشرات أكثر عمقًا تتعلق بطريقة تدبير الشأن المحلي، حيث تشير المعطيات إلى أن ميزانية جماعة فاس تناهز 100 مليار سنتيم سنويًا، فيما يُخصص لقطاع النظافة وحده ما يقارب 22 مليار سنتيم، دون أن ينعكس ذلك بشكل واضح على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين. كما يثير ملف تدبير الكلاب الضالة، الذي قيل إنه استهلك نحو 100 مليون سنتيم عبر جمعيات، تساؤلات حول نجاعة هذه البرامج ومدى تحقيقها للأهداف المرجوة. وإلى جانب ذلك، يتم تداول معطيات حول تأخر صرف أجور بعض العمال العرضيين، وتدهور عدد من المرافق العمومية، وهو ما يعكس، بحسب متابعين، وجود خلل في توزيع الموارد وتحديد الأولويات.

مجلس عاجز أم اختيارات غير موفقة؟

هذه المعطيات مجتمعة تطرح سؤالًا جوهريًا حول طبيعة الإشكال: هل يتعلق الأمر بعجز في التدبير، أم باختيارات غير موفقة في توجيه الموارد والبرامج؟ ففي الوقت الذي يُنتظر فيه من المجلس الجماعي بلورة رؤية تنموية متكاملة تستجيب لخصوصيات فاس وتاريخها، يبدو أن الأداء الحالي لا يرقى، في نظر عدد من المتابعين، إلى مستوى هذه الانتظارات.

دعوات للمحاسبة… وتفعيل آليات الرقابة

أمام هذا الوضع، تتزايد الدعوات إلى تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وفتح افتحاصات دقيقة من طرف الجهات المختصة، وعلى رأسها المفتشية العامة لوزارة الداخلية، للوقوف على كيفية تدبير الموارد المالية، و تسليط الضوء على المال العام الذي وزع على الجمعيات دون أخرى، وتقييم نجاعة البرامج والمشاريع المنجزة. كما يطالب فاعلون محليون بضرورة إعادة ترتيب الأولويات، وتعزيز الشفافية في اتخاذ القرار، وإشراك مختلف الفاعلين، بمن فيهم الإعلام والمجتمع المدني، في تتبع الشأن المحلي.

فاس… مدينة أكبر من الجدل

في المحصلة، تبدو فاس، بتاريخها العريق ومكانتها كعاصمة علمية وثقافية، أمام تحديات حقيقية تتطلب تدبيرًا رصينًا ورؤية استراتيجية واضحة. فالمدينة، التي راكمت عبر قرون رصيدًا حضاريًا وإنسانيًا كبيرًا، تحتاج اليوم إلى مقاربة جديدة تعيد الاعتبار للعمل الجماعي كأداة لخدمة الصالح العام، بعيدًا عن منطق الاستعراض أو القرارات الظرفية. وبين مشاهد بوجلود وواقعة المؤثر الكويتي، يبقى السؤال المطروح بإلحاح: هل يشكل هذا الجدل محطة عابرة، أم بداية لمرحلة جديدة عنوانها المساءلة وإعادة التقييم؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى