سياسة

تقرير خاص :”الإخوان” يخترقون التنظيمات المغربية: فراغ سياسي وقيادات ضعيفة تفتح الباب للتطرف المقنع

فاس 24 – تقرير خاص وتحليلي: عبدالله مشواحي الريفي

في خضم الصعود المتسارع للمغرب كمركز لوجستي عالمي، خاصة عبر بوابة ميناء طنجة المتوسط، طفت على السطح تحركات غامضة وموجهة تستهدف صرحاً استراتيجياً واقتصادياً، عبر وقفات احتجاجية ضد رسو سفن شحن عالمية، في مقدمتها سفن الشركة الدنماركية “ميرسك”.

لكن خلف هذه الواجهات “الاحتجاجية” تقف تنظيمات مخترقة بعمق من طرف جماعة الإخوان المسلمين، مستفيدة من الفراغ السياسي الذي تركته الأحزاب التقليدية، ومن هشاشة التأطير المجتمعي في ظل قيادات حزبية باهتة وعاجزة عن مواجهة المد الإيديولوجي المتطرف.

ما يجري اليوم ليس سوى فصل جديد من حرب ناعمة تستهدف الأمن الاقتصادي المغربي، وتستخدم أدوات التضليل والتجييش العاطفي ضد شركاء استراتيجيين للمملكة، في محاولة لخلط الأوراق وإرباك الرأي العام، تحت عناوين “مقاومة التطبيع” و”مناصرة القضية الفلسطينية”.

الإخوان… عندما يتحول التضامن إلى منصة لبناء المجد الحزبي

في هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن جماعة الإخوان المسلمين تجد في المغرب تربة سياسية خصبة عبر امتداداتها الواضحة في جماعة العدل والإحسان، وبعض قيادات حزب العدالة والتنمية، وذراعهم الدعوي حركة التوحيد والإصلاح. هؤلاء لا يترددون في استغلال مآسي الخارج، وعلى رأسها ما يحدث في غزة، لتحويلها إلى منصات لتصفية حساباتهم السياسية، ومحاولة بناء “مجد نضالي” وهمي على حساب معاناة الشعوب.

الركوب على التضامن الشعبي مع القضية الفلسطينية، وتحويله إلى حراك احتجاجي موجه ضد مؤسسات الدولة أو ضد شركاء اقتصاديين للمملكة، بات تكتيكًا مفضلاً لهذه التيارات، في محاولة لإعادة التموقع داخل المشهد السياسي المغربي بعد تراجع نفوذها المؤسساتي. وهذا ما يجعل من هذه الحركات أداة ضغط موجهة تخدم أجندة إيديولوجية قبل أن تكون صوتًا حقيقيًا للتضامن.

حرب مصالح دولية بغطاء احتجاجات داخلية

مصادر مطلعة كشفت أن هذه الحملة التي تستهدف شركتي “ميرسك” و”CMA CGM”، لا تنفصل عن سياق دولي أكبر، يرتبط بمخططات منافسة إقليمية على حركة الشحن البحري، لا سيما من طرف قطر، التي دخلت مؤخراً على خط مشروع “ممر النقل الدولي شمال-جنوب” الذي يربط روسيا بالهند عبر إيران.

قطر، عبر ذراعها QTerminals، استحوذت في غشت الماضي على 90% من مجموعة كرامر الألمانية في ميناء روتردام، في خطوة تهدف إلى إعادة تموقعها كمركز لوجستي عالمي، بعد سنوات من العزلة خلال أزمة الحصار الخليجي (2017–2021).

لكن قانون ضريبة الكربون الأوروبي، الذي دخل حيز التنفيذ بداية 2024، أجهض هذا الطموح جزئياً، إذ بدأت كبريات الشركات بنقل استثماراتها إلى موانئ أكثر تنافسية، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط، ما فتح شهية المغرب، وأغضب في المقابل منافسين يسعون جاهدين لإضعاف صورته.

المغرب… وجهة استراتيجية تزعج الخصوم

في هذا السياق، قررت شركات عملاقة مثل ميرسك الدنماركية وCMA CGM الفرنسية تحويل خطوط حيوية من ميناء الجزيرة الخضراء الإسباني إلى ميناء طنجة المتوسط، الذي أصبح مركزًا لوجستياً عالمياً بفضل موقعه الجيوستراتيجي، وبنيته التحتية المتطورة، والتسهيلات الضريبية التي يقدمها.

ميرسك، عبر فرعها APM Terminals، استثمرت أكثر من 800 مليون دولار في محطة MedPort Tangier، بطاقة استيعابية تتجاوز 5 ملايين حاوية سنوياً. كما أطلقت حلولاً متعددة الوسائط تربط المغرب بأوروبا عبر البحر والنقل البري، مما عزز من تموقع المملكة في خارطة التجارة العالمية.

فراغ الأحزاب… ومحنة التأطير

في الوقت الذي يتحقق فيه هذا الصعود الاقتصادي الكبير، تظهر هشاشة مقلقة في المشهد السياسي، حيث عجزت الأحزاب التقليدية عن مجاراة التحولات، وتركت الساحة فارغة أمام خطابات إخوانية شعبوية تتغذى على التضليل والركوب على المشاعر.

الاحتجاجات التي تطفو من حين إلى آخر ليست سوى أعراض لمرض أعمق: غياب التأطير السياسي الحقيقي، وتراجع منسوب الثقة في الفاعلين الحزبيين، وهي وضعية استغلتها التيارات الإخوانية بذكاء لتقديم نفسها بديلاً “نضالياً” زائفاً، متسترة خلف أقنعة الدعم الإنساني، بينما تدفع بأجندات موجهة ومسيسة.

معركة المستقبل: من يملأ الفراغ؟

أمام هذا المشهد، بات من الضروري والمستعجل عودة قيادات سياسية وطنية قوية، تمتلك من الشجاعة والخطاب والمصداقية ما يمكنها من فضح هذه الجماعات المتلونة، وكشف زيف مواقفها، وقطع الطريق أمام مشاريعها التسللية.

الرهان اليوم ليس فقط على مواجهة الأكاذيب، بل على بناء وعي جماعي مقاوم للاختراق الإيديولوجي، وإعادة الثقة في المؤسسات والخيارات الاقتصادية الكبرى للمملكة، لأن المعركة القادمة ليست اقتصادية فقط، بل هوياتية وسياسية وأمنية شاملة.

إن ما تواجهه المملكة المغربية اليوم، خصوصاً على مستوى موانئها الإستراتيجية، ليس مجرد تنافس اقتصادي، بل صراع مفتوح مع تنظيمات تعمل بالوكالة، وتسعى إلى ضرب صورة المغرب في محيطه، وتفكيك روابطه مع شركائه العالميين.

والرد الحقيقي على هذه الحرب الناعمة، لن يكون فقط في البيانات الرسمية أو الخطوات الأمنية، بل في تجديد النخبة السياسية، وضخ دماء جديدة قادرة على المواجهة الفكرية والتواصل الميداني، لأن الوطن لا يُحمى فقط بالسلاح، بل بالعقل الواعي والموقف الجريء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى