صحة

الصحة في المغرب على صفيح ساخن… اختلالات عميقة، صراعات داخلية وقرارات على “برميل بارود” تهدد بانفجار اجتماعي

لم يعد قطاع الصحة في المغرب مجرد ورش إصلاحي متعثر، بل تحول إلى بؤرة توتر حقيقية تعكس أزمة بنيوية عميقة، تتداخل فيها القرارات المرتجلة بالصراعات الداخلية وغياب الرؤية الاستراتيجية، في وقت تتسارع فيه وتيرة الإصلاحات بشكل يثير القلق أكثر مما يبعث على الاطمئنان. وفي قلب هذه العاصفة، يجد وزير الصحة أمين التهراوي نفسه أمام انتقادات متزايدة، ليس فقط بسبب اختياراته، بل أيضاً بسبب ما يُوصف بضعف التحكم في دواليب الوزارة وترك المجال لصراعات خفية بين مراكز القرار داخل الإدارة.

المعطيات القادمة من الميدان، خاصة من داخل المستشفيات الجامعية بمختلف جهات المملكة، ترسم صورة قاتمة عن وضع منظومة صحية تعيش على إيقاع الارتباك، حيث لم تعد الاختلالات محصورة في مؤسسة بعينها، بل أصبحت سمة عامة تطبع أداء المراكز الاستشفائية الكبرى، التي يفترض أن تشكل العمود الفقري للتكوين الطبي والخدمات المتخصصة. فالتقارير المهنية الصادرة عن الأطباء الداخليين والمقيمين تكشف عن حالة من التخبط غير المسبوق، حيث أدت قرارات مفاجئة وغياب التخطيط الاستباقي إلى تعطيل خدمات حيوية، وإرباك مسارات التكوين، وتهديد جودة العلاجات المقدمة للمواطنين.

هذا الوضع لا يمكن فصله عن مناخ داخلي متوتر داخل وزارة الصحة، حيث تشير معطيات متطابقة إلى وجود صراع صامت بين مسؤولين يسعون إلى بسط النفوذ على مراكز القرار، في ظل غياب قيادة حازمة قادرة على ضبط الإيقاع وتوحيد الرؤية. هذا الصراع، الذي يدور خلف الكواليس، انعكس بشكل مباشر على أداء المنظومة، حيث باتت القرارات تُتخذ أحياناً بمنطق التوازنات الداخلية بدل الاستجابة لحاجيات القطاع.

وفي موازاة هذا الارتباك الإداري، تفجرت أزمة أخرى لا تقل خطورة، تتعلق بارتفاع أسعار الأدوية، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، خاصة مع اتهامات للوزارة بالانحياز لمصالح شركات الأدوية على حساب القدرة الشرائية للمواطنين. فبدل البحث عن حلول لتخفيف العبء، اختارت الوزارة، وفق منتقديها، مساراً معاكساً، عمّق من معاناة المرضى، خصوصاً الفئات الهشة التي تجد نفسها عاجزة عن تحمل تكاليف العلاج.

أما على المستوى الترابي، فإن مشروع المجموعات الصحية الترابية، الذي يُفترض أن يشكل حجر الزاوية في إصلاح المنظومة، فقد تحول بدوره إلى مصدر قلق، بسبب ما يُوصف بالتسرع في تنزيله. فالتوجه نحو تعميم هذه المجموعات على الصعيد الوطني دفعة واحدة، في ظرف زمني ضيق، يطرح تساؤلات جدية حول جدوى هذا الخيار، خاصة وأن التجربة النموذجية بجهة طنجة لم تستقر بعد ولم يتم تقييمها بشكل شامل.

كيف يمكن تعميم نموذج لم يكتمل نضجه؟ وكيف يمكن تنزيله في 11 جهة في وقت واحد، في ظل بنية صحية هشة تعاني أصلاً من نقص في الموارد البشرية والتجهيزات؟ هذه الأسئلة أصبحت اليوم مطروحة بإلحاح، في ظل مخاوف من أن يتحول هذا الورش إلى عبء إضافي بدل أن يكون حلاً.

الأخطر من ذلك، أن هذه الإصلاحات تُدفع بسرعة في وقت لم يتجاوز فيه عمر الحكومة بضعة أشهر، ما يعزز الانطباع بوجود استعجال غير محسوب قد تكون كلفته باهظة على المدى المتوسط والبعيد. فالإصلاح في قطاع حساس كالصحة لا يحتمل المغامرة، ولا يمكن أن يُبنى على قرارات فوقية تفتقر إلى التدرج والتقييم المرحلي.

وفي ظل كل هذه التحديات، يبقى المواطن المغربي هو المتضرر الأول، حيث لا تزال معاناته مع المستشفيات قائمة، من طول الانتظار إلى ضعف الخدمات، مروراً بنقص الأدوية وارتفاع تكاليف العلاج. واقع يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن الحديث عن إصلاح شامل، في وقت تعجز فيه المنظومة عن حل أبسط مشاكلها اليومية؟

إن ما يعيشه قطاع الصحة اليوم يشبه “برميل بارود” قابل للانفجار الاجتماعي في أي لحظة، إذا ما استمرت نفس المقاربة في التدبير، القائمة على التسرع وغياب التنسيق وضعف الحكامة. فالصحة ليست مجالاً للتجريب، بل ركيزة أساسية للاستقرار الاجتماعي، وأي خلل فيها ينعكس مباشرة على ثقة المواطنين في المؤسسات.

وفي المحصلة، يبدو أن المغرب أمام مفترق طرق حقيقي في هذا القطاع الحيوي، بين الاستمرار في نفس النهج بما يحمله من مخاطر، أو التوقف لإعادة تقييم الاختيارات وتصحيح المسار قبل فوات الأوان. لأن كلفة التأخر في الإصلاح قد تكون مرتفعة، لكن كلفة الإصلاح الخاطئ قد تكون أكثر خطورة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى