قضايا

هل يسقط “الزفت” رؤساء الجماعات بجهة فاس مكناس؟ وهل تعجّل وزارة الداخلية بفتح التحقيق في صفقات مشبوهة؟

تتجه الأنظار، هذه الأيام، إلى عدد من جماعات جهة فاس مكناس، على خلفية تحركات متسارعة لمصالح وزارة الداخلية، يُرتقب أن تكشف خيوط اختلالات خطيرة شابت صفقات تهيئة الطرق وتعبيدها بـ”الزفت”، والتي كلفت ميزانيات ضخمة دون أن تنعكس على جودة البنية التحتية.

أبحاث مستعجلة… وشبهات ثقيلة

وفق معطيات متداولة، باشرت لجان إقليمية أبحاثًا إدارية معمقة، بتنسيق مع المصالح المركزية لـوزارة الداخلية المغربية، همّت عدداً من الجماعات الحضرية والقروية، وذلك على خلفية تقارير رصدت مؤشرات اشتباه قوية تتعلق بتدبير صفقات “الزفت”.

وتشير هذه المعطيات إلى وجود خروقات محتملة في مراحل طلبات العروض، مرورًا بعملية إسناد الصفقات، وصولًا إلى تنفيذ الأشغال، في ظل حديث عن تورط منتخبين ومقاولين في ممارسات تفتقر إلى الشفافية.

علاقات مشبوهة… وشركات “محظوظة”

من بين ما أثار انتباه لجان البحث، تسجيل علاقات وُصفت بـ”المشبوهة” بين بعض المنتخبين ومقاولات، مكنت شركات، بعضها حديث النشأة، من الظفر بصفقات متكررة بمبالغ مالية مهمة، في وقت وجيز.

هذه المعطيات فتحت باب التساؤلات حول معايير المنافسة وتكافؤ الفرص، ومدى احترام المساطر القانونية المنظمة للصفقات العمومية، خاصة في قطاع حساس يرتبط بالبنية التحتية الأساسية.

“الزفت” في خدمة الحسابات الانتخابية

الأخطر في هذه الملفات، بحسب نفس المعطيات، هو استغلال مشاريع تعبيد الطرق لأغراض انتخابية، حيث تم تسجيل ضغوط من طرف بعض رؤساء الجماعات ومنتخبين نافذين لتوجيه الأشغال نحو مناطق محددة تخدم مصالح سياسية أو قواعد انتخابية بعينها.

كما تم رصد حالات يُشتبه في توظيفها لفك العزلة عن تجمعات سكنية عشوائية، عبر تغيير مسارات الطرق أو برمجة مشاريع بشكل انتقائي، ما يطرح إشكالية توظيف المال العام خارج منطق العدالة المجالية.

غش في المواد… وطرق بلا جودة

الأبحاث الجارية لم تتوقف عند الشق الإداري، بل امتدت إلى الجانب التقني، حيث تم تسجيل شبهات تتعلق بجودة مواد البناء، وعلى رأسها “الزفت”، إلى جانب التلاعب في الكميات المنجزة فعليًا مقارنة بما هو منصوص عليه في دفاتر التحملات.

كما طالت الشبهات عمليات استغلال المقالع ونهب الرمال بشكل غير قانوني من طرف بعض الشركات المستفيدة من هذه الصفقات، وهو ما يضيف بُعدًا بيئيًا خطيرًا لهذه القضية.

افتحاص شامل… ووثائق تحت المجهر

في هذا السياق، طلبت لجان البحث من مصالح الصفقات داخل الجماعات المعنية مدها بكافة الوثائق المرتبطة بطلبات العروض، خاصة تلك المتعلقة بمشاريع تهيئة الطرق والأزقة والساحات.

ويركز هذا الافتحاص على مدى احترام المساطر القانونية، وتتبع تنفيذ الأشغال ميدانيًا، والتحقق من مطابقة المواد المستعملة للمعايير التقنية المحددة، في محاولة لكشف أي تلاعب محتمل.

شبهات تضارب المصالح

كما تمتد التحقيقات إلى التدقيق في هوية المستفيدين من هذه الصفقات، في ظل معطيات تشير إلى حصول مقاولات معينة على مشاريع متتالية بقيم مالية كبيرة، في ظروف تثير الشكوك، خاصة عند وجود روابط عائلية أو مصالح مشتركة مع منتخبين.

غموض في البرمجة… وغياب الشفافية

ومن بين الاختلالات التي تم رصدها أيضًا، غياب الشفافية في برمجة مشاريع التزفيت، حيث يتم أحيانًا إطلاق الأشغال دون إعلان واضح عن المسارات والمناطق المستهدفة، ودون نشرها عبر القنوات الرسمية، ما يفتح الباب أمام التأويلات ويقوض ثقة المواطنين.

هل تسقط رؤوس سياسية؟

في ظل هذه المعطيات، يطرح سؤال جوهري: هل ستقود هذه الأبحاث إلى مساءلة حقيقية لرؤساء جماعات ومنتخبين؟ وهل نحن أمام بداية ربط فعلي للمسؤولية بالمحاسبة في ملف “الزفت” الذي طالما أثار الجدل؟

كل المؤشرات توحي بأن المرحلة المقبلة قد تحمل تطورات حاسمة، خاصة إذا ما تم تفعيل المساطر القانونية في حق المتورطين، وترتيب الجزاءات اللازمة.

نحو نهاية “زمن الإفلات من المحاسبة”؟

الرهان اليوم، لا يتعلق فقط بكشف الاختلالات، بل بمدى قدرة المؤسسات على تحويل هذه الأبحاث إلى قرارات ملموسة تعيد الثقة في تدبير المال العام.

فإما أن تشكل هذه التحقيقات نقطة تحول حقيقية نحو تخليق الحياة العامة، أو أن تبقى مجرد موجة عابرة، سرعان ما تخفت دون أثر… بينما تستمر طرق “الزفت” في إخفاء أعطاب أعمق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى