اقتصاد

فاس خارج الخريطة السياحية؟ ركود مقلق يكشف أعطاب الجودة والترويج وصراعات المهنيين

تشهد مدينة فاس، إحدى أعرق الحواضر التاريخية بالمغرب، حالة ركود سياحي لافتة خلال السنوات الأخيرة، في مشهد يثير قلق المهنيين والمتابعين على حد سواء، خاصة وأن المدينة كانت إلى وقت قريب وجهة مفضلة لعشاق التراث والثقافة.

هذا التراجع لم يعد مجرد انطباع، بل أصبح واقعًا ملموسًا تؤكده مؤشرات متعددة، من انخفاض ليالي المبيت إلى تراجع حركة الرحلات الجوية، مرورًا بضعف الإقبال على المرافق السياحية، مقابل صعود لافت لمدن منافسة مثل مراكش وأكادير والصويرة، التي نجحت في استقطاب سياح العالم بعروض متجددة وتجارب متكاملة.

جودة غائبة… وتجربة سياحية مبتورة

أحد أبرز الأسباب التي تُطرح بقوة في تفسير هذا الركود، يتعلق بضعف جودة الخدمات داخل عدد من الفنادق ودور الإيواء، حيث يشتكي زوار من تفاوت كبير بين الأسعار المقدمة ومستوى الخدمات، ما ينعكس سلبًا على صورة المدينة.

ولا يقف الأمر عند الإيواء، بل يمتد إلى قطاع المطاعم والمقاهي، التي تعرف بدورها ارتفاعًا ملحوظًا في الأسعار، دون أن يقابله تحسن في الجودة أو تنوع في العرض. وهو ما يجعل تجربة السائح في فاس باهتة مقارنة بمدن أخرى تقدم خدمات أكثر تنافسية.

غياب “المنتوج السياحي” المتكامل

رغم ما تزخر به فاس من معالم تاريخية عالمية، على رأسها فاس البالي، إلا أن غياب مسارات سياحية واضحة ومبتكرة يجعل زيارة المدينة تقتصر غالبًا على جولات تقليدية محدودة.

فالمدينة تفتقر إلى “رواية سياحية” متكاملة تُلهم الزائر وتدفعه لاكتشاف تفاصيلها، سواء عبر مسارات ثقافية، أو تجارب تفاعلية، أو عروض فنية حية. وهو ما يجعل السائح يختصر مدة إقامته، أو يمر عبر فاس كمرحلة عابرة ضمن برنامج أوسع.

تسويق ضعيف… ورهانات غير موفقة

في المقابل، تتجه أصابع الانتقاد نحو أداء المكتب الوطني المغربي للسياحة، الذي يُتهم بعدم القدرة على تسويق صورة حديثة وجذابة للمدينة في الأسواق الدولية رغم المعارض المتكررة و صرف ميزانيات ضخمة بنتائج خاوية على عروشها.

فرغم الحملات الترويجية التي يتم الإعلان عنها، إلا أن أثرها على أرض الواقع يظل محدودًا، في ظل غياب استراتيجية خاصة بفاس تأخذ بعين الاعتبار خصوصياتها الثقافية والتاريخية، وتترجمها إلى منتوج سياحي قابل للتسويق عالميًا.

تراجع الرحلات الجوية… وضربة قاصمة

من بين العوامل الحاسمة التي ساهمت في هذا التراجع، الانخفاض الحاد في عدد الرحلات الجوية نحو مطار فاس سايس، خاصة من العواصم الأوروبية.

فقد اختارت عدة شركات طيران تقليص أو إلغاء خطوطها نحو فاس، مفضلة التوجه إلى وجهات أكثر ربحية، ما أدى إلى تراجع الربط الجوي للمدينة، وبالتالي انخفاض عدد السياح الوافدين بشكل مباشر.

هذا الوضع جعل فاس تفقد ميزة التنافسية، خصوصًا في سوق السياحة الدولية التي تعتمد بشكل كبير على سهولة الولوج وتنوع الرحلات.

صراعات مهنية… وتداخل السياسة

داخليًا، لا يخلو المشهد من توترات بين الفاعلين في القطاع، حيث تتباين وجهات النظر بين المهنيين حول سبل إنعاش السياحة، في ظل غياب تنسيق فعلي يجمع مختلف المتدخلين.

كما أن تداخل الحسابات السياسية مع تدبير الشأن السياحي يزيد من تعقيد الوضع، حيث تتحول بعض المبادرات إلى رهانات ظرفية أو مناسباتية، بدل أن تكون جزءًا من رؤية استراتيجية طويلة المدى.

هذا التنازع يُضعف الجهود المبذولة، ويُفقد المدينة القدرة على تقديم نفسها كوجهة متماسكة وقادرة على المنافسة.

من مدينة إقامة إلى “محطة عبور”

نتيجة لكل هذه العوامل، تحولت فاس تدريجيًا من وجهة إقامة إلى مجرد محطة عبور ضمن برامج سياحية تشمل مدنًا أخرى. وهو تحول خطير يهدد مكانة المدينة في الخريطة السياحية الوطنية والدولية.

الحاجة إلى “صدمة إصلاح”

أمام هذا الواقع، يطرح متابعون ضرورة إحداث “صدمة إصلاح” حقيقية، تبدأ بإعادة تأهيل العرض السياحي، وفرض معايير الجودة، وتنويع المنتوج، وصولًا إلى إعادة بناء استراتيجية ترويجية فعالة.

كما يبقى الرهان على تحسين الربط الجوي، وتحقيق انسجام بين مختلف الفاعلين، بعيدًا عن الحسابات الضيقة، شرطًا أساسيًا لإعادة فاس إلى مكانتها الطبيعية كعاصمة روحية وثقافية قادرة على استقطاب العالم.

فهل تستفيق المدينة قبل أن يتحول الركود إلى واقع دائم؟ أم أن فاس ستظل حبيسة تاريخها، بينما تصنع مدن أخرى مستقبل السياحة في المغرب؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى