الجامعة المغربية بين قيود الواقع ورهانات التحرر: قراءة في تصنيف دولي مقلق

في سياق دولي يتسم بتصاعد النقاش حول حرية المعرفة واستقلالية المؤسسات الأكاديمية، أعاد تقرير حديث حول مؤشر الحرية الأكاديمية تسليط الضوء على وضع الجامعات المغربية، كاشفًا عن اختلالات عميقة ما تزال تحدّ من انطلاقها الكامل كفضاء لإنتاج الفكر والنقد.
التقرير الصادر عن جامعة فريدريش ألكسندر إرلانجن-نورنبيرغ بشراكة مع معهد V-Dem Institute، وضع المغرب في المرتبة 109 من أصل 178 دولة ضمن مؤشر الحرية الأكاديمية لسنة 2026، وهو ترتيب يعكس، بحسب معايير القياس المعتمدة، حضورًا محدودًا لحرية البحث والتعبير داخل الحقل الجامعي.
مؤشرات تكشف عمق الأزمة
لا يقتصر هذا المؤشر على تقييم شكلي، بل يعتمد على مجموعة من المعايير الدقيقة، من بينها حرية التدريس والبحث، واستقلالية الجامعات في اتخاذ القرار، إضافة إلى مدى قدرة الباحثين على نشر أعمالهم والتعبير عن آرائهم دون قيود. ووفق هذه المؤشرات، يتموقع المغرب ضمن الشريحة الدنيا عالميًا، وتحديدًا بين 30% و40% من أسفل الترتيب، ما يضعه بعيدًا عن النماذج الأكاديمية المتقدمة في أوروبا وأمريكا الشمالية.
هذا الترتيب لا يعكس فقط موقعًا رقميًا، بل يختزل واقعًا معقدًا تتداخل فيه الاعتبارات الإدارية والسياسية مع الشأن العلمي، وهو ما يجعل من الحرية الأكاديمية في المغرب مجالًا محكومًا بتوازنات دقيقة بدل أن يكون فضاءً مفتوحًا للإبداع والنقد.
استقلالية محدودة… وتأثير مباشر على البحث
من أبرز النقاط التي توقف عندها التقرير مسألة الاستقلالية المؤسسية، التي اعتبرها عنصرًا حاسمًا في بناء بيئة أكاديمية سليمة. ففي الحالة المغربية، يظهر أن هامش استقلال الجامعات ما يزال محدودًا، في ظل استمرار أنماط تدبير تقليدية يغلب عليها الطابع الإداري والوصائي.
هذا الواقع ينعكس بشكل مباشر على جودة البحث العلمي، حيث يصبح اتخاذ القرار الأكاديمي خاضعًا أحيانًا لاعتبارات خارجية، وهو ما يضعف دينامية الإنتاج المعرفي ويحدّ من قدرة الجامعة على مواكبة التحولات المجتمعية.
رقابة صامتة… وجرأة متراجعة
داخل هذا السياق، يبرز شكل آخر من القيود، أقل وضوحًا لكنه أكثر تأثيرًا، ويتمثل في الرقابة الذاتية التي يمارسها عدد من الباحثين. فالتخوف من تبعات الخوض في مواضيع حساسة، خاصة في مجالات العلوم الإنسانية والاقتصادية، يدفع البعض إلى تجنب مقاربات نقدية قد تثير الجدل.
كما أن صعوبة الولوج إلى المعطيات، خصوصًا في قطاعات استراتيجية، تظل عائقًا حقيقيًا أمام إنجاز أبحاث علمية رصينة. إذ يجد بعض الباحثين أنفسهم أمام جدران من الصمت المؤسساتي، أو حتى أمام مواقف غير مرحبة عندما يتعلق الأمر بدراسات تنتقد سياسات عمومية أو برامج كبرى.
أبحاث حبيسة الرفوف
من النتائج غير المباشرة لهذا المناخ، بقاء العديد من الدراسات الجادة داخل رفوف الجامعات، دون أن تجد طريقها إلى النقاش العمومي أو دوائر اتخاذ القرار. وهو ما يطرح إشكالية العلاقة بين الجامعة ومحيطها، ويكشف عن فجوة واضحة بين الإنتاج الأكاديمي وحاجيات المجتمع.
كما يلاحظ ضعف حضور الأساتذة الجامعيين في النقاش العمومي، حيث يظل عدد المشاركين محدودًا، وغالبًا ما تتكرر نفس الأسماء، في مقابل غياب ملحوظ للأجيال الجديدة، التي تبدو أكثر حذرًا في التعبير والانخراط.
سياق دولي متراجع
لا يمكن فصل وضع المغرب عن السياق العالمي، إذ يشير التقرير إلى تراجع الحرية الأكاديمية في عدد كبير من الدول خلال العقد الأخير، حيث سجلت 50 دولة تراجعًا بين 2015 و2025، مقابل تحسن محدود في تسع دول فقط.
ويُعزى هذا المنحى إلى تحولات سياسية وإقليمية أثرت بشكل خاص على مناطق مثل آسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ما يجعل مسألة الحرية الأكاديمية رهينة بسياقات أوسع تتجاوز حدود الجامعة.
بين التنبيه والفرصة
رغم دلالاته السلبية، يمكن قراءة هذا التصنيف كإشارة تنبيه قوية تدعو إلى إعادة التفكير في موقع الجامعة داخل المشروع المجتمعي. فتعزيز الاستقلالية، وضمان حرية البحث والتعبير، وتيسير الولوج إلى المعطيات، تبقى كلها شروطًا أساسية لبناء جامعة قادرة على الإسهام الفعلي في التنمية.
إن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بتحسين ترتيب في مؤشر دولي، بل بإعادة الاعتبار للجامعة كفضاء حر لتكوين العقول وإنتاج المعرفة، وكفاعل أساسي في بناء مجتمع قائم على النقد والابتكار.





