توتر اجتماعي بحديقة جنان أسبيل… احتجاجات عمال عرضيين وتوضيحات من الرئيسة وتحقيق ولائي لاحتواء الأزمة

شهدت حديقة جنان أسبيل، المعلمة التاريخية التي تتوسط مدينة فاس، خلال الأيام الماضية حالة من الاحتقان بعدما نظم عدد من العمال العرضيين وقفة احتجاجية موجهة ضد رئيسة مجموعة الجماعات الترابية جنان أسبيل، فدوى دادون، على خلفية توقيع اتفاقية والتزام يهم تنظيم علاقة الشغل وصرف الأجور المتوقفة.
الاحتجاج، الذي أثار نقاشاً واسعاً داخل الرأي العام المحلي، لم يلبث أن تطور إلى سجال سياسي وإداري، خاصة بعد تداول اتهامات متبادلة بين بعض العمال والمسؤولة الجماعية، قبل أن تدخل سلطات ولاية الجهة على الخط لمواكبة الملف وفتح تحقيق في مختلف تفاصيله.
خلفيات الاحتجاج… بين الأجور المتوقفة ووثيقة الالتزام
وفق المعطيات المتوفرة، فإن أصل الخلاف يعود إلى مطالبة الإدارة للعمال العرضيين بتوقيع اتفاقية عمل والتزام إداري، اعتبرته الرئاسة إجراءً قانونياً ضرورياً من أجل تمكينهم من صرف أجورهم الشهرية المتوقفة، استناداً إلى توجيهات الخزينة الجهوية التي باتت تشترط وجود سند قانوني واضح ينظم العلاقة المهنية قبل تحويل المستحقات المالية.
غير أن عدداً من العمال رأوا في هذه الخطوة تشديداً للإجراءات وتضييقاً عليهم، ورفضوا في البداية التوقيع، معتبرين أن الوثيقة تحمل صيغاً تحتاج إلى توضيح وضمانات إضافية. هذا الرفض كان الشرارة التي فجرت الاحتجاج داخل فضاء حديقة جنان أسبيل، التي تعد من أبرز المتنفسات الطبيعية والسياحية بالعاصمة العلمية.
توضيحات الرئيسة فدوى دادون… “الإجراء في صالح العمال”
في اتصال مع الجريدة، قدمت رئيسة مجموعة الجماعات الترابية جنان أسبيل، فدوى دادون، توضيحات حول ما جرى، مؤكدة أن ما وقع “لا يعدو أن يكون سوء فهم إداري تم تضخيمه”. وأوضحت أن المكتب المسير لم يقم سوى بتنفيذ توجيهات صادرة عن الخزينة الجهوية، التي أصبحت تطالب بإبرام اتفاقيات عمل واضحة وموقعة من المعنيين بالأمر، قبل صرف الأجور، ضماناً للشفافية واحترام المساطر القانونية الجاري بها العمل.
وأضافت أن الوثيقة المقترحة “لا تنتقص من حقوق العمال، بل تنظمها وتحميها، وتفتح الباب أمام تسوية وضعيتهم المالية بشكل قانوني”. وأكدت أن الحوار ظل مفتوحاً، وأنه بعد ثلاثة أيام من النقاش والتواصل، وبتنسيق مع سلطات ولاية الجهة، اقتنع أزيد من 33 عاملاً بتوقيع الاتفاقية، فيما بقي ثلاثة فقط رافضين إلى حدود اللحظة.
اتهامات وصراعات سياسية في الخلفية
الرئيسة لم تُخفِ استياءها مما وصفته بـ“حملة اتهامات مغرضة” استهدفتها شخصياً، خاصة ما تم تداوله بشأن توظيف أشخاص قادمين من إقليم تاونات، في إشارة إلى انتمائها الترابي وترشحها السياسي هناك. واعتبرت أن هذه الاتهامات “ذات خلفية سياسية واضحة، تقودها أطراف من الخلف في سياق صراعات داخلية لا علاقة لها بتدبير الحديقة أو مصلحة العمال”.
وأكدت أنها قررت سلوك المساطر القضائية في مواجهة ما اعتبرته “تشهيراً واتهامات تمس سمعتها الشخصية وتدبيرها الإداري”، مشددة على أن أي توظيف أو تشغيل يتم وفق الضوابط القانونية وتحت رقابة الجهات المختصة.
تدخل ولائي وتحقيق لمواكبة الملف
في المقابل، كشفت مصادر متطابقة أن سلطات ولاية جهة فاس–مكناس دخلت على خط الملف منذ بدايته، حيث تم فتح تحقيق إداري للوقوف على كافة المعطيات المرتبطة بالاحتجاج، سواء من حيث مساطر التوظيف أو شروط العمل أو قانونية الوثيقة موضوع الخلاف.
وأكدت المصادر ذاتها أن السلطات تواكب عن كثب تطورات الوضع، ليس فقط من زاوية تدبير النزاع الاجتماعي، بل أيضاً من أجل الحفاظ على السير العادي للمرفق وضمان استمرار العناية بحديقة جنان أسبيل، بعيداً عن التجاذبات السياسية بين مختلف مكونات المجموعة الترابية.
هذا التدخل ساهم، بحسب نفس المعطيات، في تهدئة الأجواء وفتح قنوات الحوار، ما أفضى إلى توقيع الأغلبية الساحقة من العمال على الاتفاقية، وإعادة الأمور إلى نصابها في انتظار استكمال باقي الإجراءات.
جنان أسبيل… ذاكرة فاس الخضراء و رعاية أميرية خاصة
تُعد حديقة جنان أسبيل من أعرق الفضاءات التاريخية بمدينة فاس، إذ تعود جذورها إلى العهد المريني، قبل أن تعرف عمليات تهيئة وإعادة تأهيل خلال فترات لاحقة،و خاصة أن صاحبة السمو الملكي الأميرة للا حسناء، رئيسة مؤسسة محمد السادس لحماية البيئة،سبق لها ودشنتها بعد عملية الـتأهيل الشامل،و قادت عدة أميرات و أمراء لزيارتها لما له من جذور مرتبطة بالعائلة الملكية، وتمتد الحديقة على مساحة واسعة تضم ممرات خضراء وأشجاراً معمرة وأحواضاً مائية، ما يجعلها قبلة يومية للأسر الفاسية والزوار، خاصة خلال فصلي الربيع والصيف.
وتحظى الحديقة بقيمة رمزية وسياحية خاصة، باعتبارها أحد المتنفسات النادرة داخل النسيج الحضري للمدينة العتيقة ومحيطها. لذلك فإن أي توتر اجتماعي أو إداري يطال تدبيرها ينعكس مباشرة على صورتها وعلى جودة الخدمات المقدمة لمرتاديها.
بين الحق في الاحتجاج وضمان استمرارية المرفق
الأزمة التي شهدتها جنان أسبيل تطرح في العمق سؤال التوازن بين الحق في الاحتجاج والتعبير عن المطالب الاجتماعية، وبين ضرورة احترام المساطر القانونية وضمان استمرارية المرفق العمومي. فتنظيم العلاقة الشغلية عبر اتفاقيات واضحة بات توجهاً وطنياً يهدف إلى حماية حقوق العمال والمؤسسات معاً، في ظل تشديد الرقابة المالية والإدارية.
وفي المقابل، يبقى الحوار الاجتماعي هو الآلية الأنجع لتفادي التصعيد، خاصة عندما يتعلق الأمر بعمال عرضيين يعيشون أوضاعاً اجتماعية هشة، ويخشون أي تغيير قد يمس استقرارهم المهني.
أزمة عابرة أم مؤشر على احتقان أعمق؟
المعطيات الحالية توحي بأن الأزمة في طريقها إلى الاحتواء، بعد توقيع أغلبية العمال على الوثيقة واستمرار التحقيق الإداري لمراجعة كل التفاصيل. غير أن خلفيات الصراع السياسي التي ألمحت إليها الرئيسة تطرح احتمال وجود تجاذبات أعمق داخل المجموعة الترابية، قد تطفو على السطح كلما تعلق الأمر بملفات حساسة.
وفي انتظار ما ستسفر عنه نتائج التحقيق الولائي، يبقى الرهان الأكبر هو الحفاظ على جمالية ورمزية حديقة جنان أسبيل، وضمان استقرار عمالها، وإبعادها عن أي توظيف سياسي قد يسيء إلى صورتها كفضاء تاريخي يجمع الفاسيين على حب الطبيعة والسكينة.
فجنان أسبيل، التي صمدت قروناً كشاهد على تعاقب الدول والتحولات، تستحق أن تبقى خارج صراعات اللحظة، وأن تظل واحة خضراء في قلب مدينة عريقة تبحث دائماً عن التوازن بين التاريخ والراهن.





