مجتمع

واد الحيمر… حين يتحول الإهمال إلى جريمة صامتة في قلب فاس

إفتتاحية “فاس24”

لا تقولوا لنا “تساقطات استثنائية”، ولا تلوّحوا بعبارات “الظروف المناخية”، لأن الحقيقة أبسط وأقسى: ما وقع في فاس ليس كارثة طبيعية، بل كارثة تدبيرية خالصة.
واد الحيمر الذي فاض على منازل السكان في اليومين الأخيرين، لم يولد أمس، ولم يشق طريقه فجأة. إنه واد معروف، موثق، مُهمل عن سبق إصرار، يشق أحياء سكنية بوسط مدينة فاس، وليس في هامشها ولا في عمق البادية.

هذا الوادي فاض من قبل. وغمر البيوت من قبل. واشتكى السكان من قبل.
لكن لا أحد اهتم.

واد في وسط المدينة… بلا قنطرة!

الفضيحة ليست فقط أن الواد غير مغطى، ولا أن مجراه غير مهيأ، بل أن الساكنة لم تُوفَّر لها حتى قنطرة للعبور.
نعم، قنطرة. أبسط ما يمكن أن تقوم به جماعة تدّعي أنها تُدبر مدينة.

نحن لا نتحدث عن مشروع عملاق، ولا عن تقنية معقدة، بل عن حق أساسي في السلامة والتنقل.
كيف يُعقل أن يُترك أطفال ونساء ومسنون يواجهون مجرى مائي خطير دون أي ممر آمن؟
أي مدينة هذه؟ وأي مجلس منتخب هذا؟

عبد السلام البقالي… في مرمى المساءلة

ما وقع يضع عمدة مدينة فاس، عبد السلام البقالي، في واجهة المسؤولية المباشرة، ومعه كل المجالس المنتخبة التي تعاقبت ومرّت مرور الكرام على هذا الواد وكأنه غير موجود.

العمدة ليس متفرجًا، وليس معلق مباريات، بل مسؤول أول عن ترتيب الأولويات.
وعندما تُترك أحياء بأكملها مهددة بالفيضانات، بينما تُصرف الميزانيات على مشاريع هامشية، فنحن أمام فشل ذريع في التدبير، لا يحتاج إلى لجنة تحقيق لشرحه.

أين ذهبت أموال التأهيل الحضري؟
أين برامج محاربة الفيضانات؟
أين الدراسات التي تُؤدّى من المال العام؟

إذا كانت موجودة، فلماذا لم تصل إلى واد الحيمر؟
وإذا لم تكن موجودة، فهذه مصيبة أكبر.

هدر الميزانيات… حين تصبح التنمية نكتة سوداء

فاس مدينة تختنق.
بنيتها التحتية مهترئة.
أوديتها قنابل مفتوحة.
أحياؤها تُترك للقدر.

وفي المقابل، نسمع عن “برامج”، و”شراكات”، و”مخططات”.
لكن عند أول مطر، ينهار كل شيء.

هدر المال العام لا يكون فقط بالسرقة، بل أيضًا بسوء الاختيار.
حين تُصرف الأموال بعيدًا عن مكامن الخطر، وحين يُترك واد يهدد الأرواح دون تدخل، فذلك هدر مضاعف: للمال… ولثقة الناس.

واد الحيمر ليس استثناءً… بل عنوانًا

من يعتقد أن المشكلة محصورة في واد الحيمر واهم.
هذا الواد مجرد عنوان كبير لمدينة تُدار بردّ الفعل لا بالفعل.
مدينة لا تتحرك إلا بعد الفيضانات، ولا تتكلم إلا بعد الصراخ.

وما يزيد الوضع قتامة أن هذا كله يقع في مدينة بتاريخ فاس، لا في تجمع عشوائي طارئ.
مدينة يُفترض أن تكون نموذجًا، فإذا بها تتحول إلى مثال على كيف يُدار الخلل.

فاس تسأل… ولا أحد يجيب

اليوم، واد الحيمر يطرح سؤالًا واحدًا، حادًا، بلا تلطيف:
هل من منقذ لفاس؟

هل من مسؤول يملك الجرأة ليقول: أخطأنا؟
هل من مجلس منتخب يضع سلامة السكان قبل الحسابات السياسية؟
هل من قرار حقيقي، لا بلاغ، ولا صورة، ولا وعد مؤجل؟

المطر سيعود.
والواد سيعود.
والسؤال هو: هل سيعود الإهمال أيضًا؟

إن لم يتحرك المسؤولون الآن، فإن ما جرى ليس آخر الفصول… بل بدايته فقط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى