قضايا

اختلالات في إعفاءات الأراضي غير المبنية تضع الجبايات المحلية تحت مجهر المراقبة

دخلت إعفاءات الرسم المفروض على الأراضي الحضرية غير المبنية مرحلة تدقيق صارمة، بعد رصد اختلالات وُصفت بالخطيرة في منح شهادات إدارية مكنت عدداً من المنعشين العقاريين ومالكي العقارات من الاستفادة من امتيازات جبائية غير مستحقة، خارج الضوابط القانونية المعمول بها.

ووفق معطيات متطابقة، باشرت المصالح المركزية المختصة إجراءات واسعة لإعادة فحص قرارات إعفاء صدرت بشكل انفرادي، استناداً إلى أبحاث إدارية شابتها معطيات غير دقيقة، وهو ما اعتُبر مساساً بمبدأ العدالة الجبائية وإضراراً بموارد الجماعات الترابية.

أبحاث إدارية مشكوك فيها

التدقيق الجاري كشف اعتماد بعض الجماعات على محاضر أُنجزت بناءً على تصريحات غير مطابقة للواقع، أو على معطيات ميدانية لم تخضع للمعاينة القانونية المفروضة، خاصة تلك التي تستوجب تأشيرة لجان مشتركة تضم ممثلين عن السلطة المحلية والجماعة والإدارات المعنية.

وأظهرت التقارير الأولية أن عدداً من الإعفاءات تم تمريرها بدعوى الاستغلال الفلاحي، في وقت تتواجد فيه الأراضي المعنية داخل مدارات حضرية أو مناطق تعرف تجهيزات أساسية متفاوتة، ما يسقط عنها صفة الإعفاء وفق القوانين الجاري بها العمل.

“فلاحة صورية” للتهرب من الرسم

ومن بين الممارسات التي رصدتها الأبحاث، لجوء بعض الملزمين إلى أنشطة حرث شكلية أو مؤقتة، هدفها إضفاء طابع فلاحي على أراضٍ غير مستغلة فعلياً في هذا المجال، قصد التحايل على الرسم المفروض على الأراضي العارية.

وتشير المعطيات نفسها إلى تزايد عدد الشهادات الإدارية التي تزعم ممارسة أنشطة فلاحية داخل مجالات حضرية، في تناقض صارخ مع واقع التهيئة العمرانية المحيطة بها، ما يعكس استغلالاً ممنهجاً لثغرات إدارية وتواطؤات محتملة.

ازدواجية في تطبيق القانون

التحقيقات أبرزت كذلك مفارقة لافتة، تتمثل في فرض الرسم الجبائي على ملاك أصليين ما زالوا يستغلون أراضيهم فعلياً في أنشطة فلاحية، بينما استفاد منعشون عقاريون من إعفاءات مشبوهة رغم توقف أي نشاط إنتاجي بالأراضي التي يملكونها.

هذا التناقض في تطبيق القانون عزز شعوراً متزايداً لدى فئات واسعة بغياب الإنصاف الجبائي، وكرّس صورة سلبية عن تدبير الجبايات المحلية، باعتبارها مجالاً هشاً قابلاً للتلاعب في غياب رقابة صارمة.

مسؤوليات إدارية وتبعات قانونية

وأفادت المعطيات المتوفرة بأن اختلالات منح الإعفاءات الجبائية عبر شهادات إدارية ورطت منتخبين وموظفين جماعيين، بعضهم طالتهم إجراءات تأديبية شملت العزل أو التوقيف، سواء بقرارات صادرة عن السلطات المختصة أو بموجب أحكام القضاء الإداري.

وساهمت هذه التجاوزات، بحسب متابعين، في تسريع توجه الدولة نحو إعادة تنظيم منظومة التحصيل الجبائي المحلي، من خلال تقليص هامش التدخل السياسي في هذا المجال، وتعزيز الطابع المهني والتقني لعمليات التحصيل والمراقبة.

تشديد الرقابة وتوسيع التفتيش

وفي السياق ذاته، تم توجيه تعليمات واضحة إلى رجال السلطة وأعضاء لجان المعاينة بضرورة الالتزام الصارم بالقانون، وعدم التساهل في تحرير المحاضر أو التأشير على الإعفاءات، مع تحميل المسؤولية الفردية في حال ثبوت أي تلاعب أو إخلال بالمهام.

وجاء هذا التوجه استناداً إلى خلاصات تقارير تفتيش أنجزتها لجان مختصة، وقفت على ثغرات في عمل بعض اللجان المحلية، وعلى اعتماد وثائق وصور غير كافية لتبرير إعفاءات ذات أثر مالي كبير.

مراجعة المقررات الجبائية

وفي إطار مواكبة المستجدات القانونية، انخرطت المجالس الجماعية المعنية في مراجعة مقرراتها الجبائية، من خلال عقد دورات استثنائية لتصحيح اختلالات سابقة، وتحيين أسعار الرسم على الأراضي غير المبنية وفق التصنيفات الجديدة المرتبطة بدرجة التجهيز.

وتشمل هذه التصنيفات تقسيم المجالات إلى مناطق كاملة ومتوسطة وضعيفة التجهيز، مع إخضاع تحديد الأسعار للمصادقة، بما ينسجم مع مقتضيات القوانين الجديدة الرامية إلى ترشيد الجباية وضمان موارد قارة للجماعات.

نحو حكامة جبائية أكثر صرامة

الملف، في مجمله، يعكس إرادة واضحة لتشديد الخناق على التلاعب في الجبايات المحلية، وإرساء قواعد الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة في قطاع يُعد من أهم روافد تمويل التنمية المحلية.

ويبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من منطق المعالجة الظرفية إلى إصلاح بنيوي يضمن عدالة جبائية حقيقية، ويقطع مع الممارسات التي أفرغت النصوص القانونية من مضمونها، على حساب المال العام وثقة المواطنين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى