فاس: “مزبلة” بـ 22 ملياراً.. وعربة الحمار تفضح زيف “الحداثة البقالية”!

حينما تنفق مدينة بحجم فاس 22 مليار سنتيم سنوياً على قطاع النظافة، ثم يستيقظ سكانها في القرن الواحد والعشرين على وقع “عربات تجرها الحمير” لجمع القمامة، فنحن لسنا أمام “خلل تقني”، بل أمام جريمة تدبيرية مكتملة الأركان، وإهانة علنية لتاريخ العاصمة العلمية للمملكة. إن ما يحدث اليوم في مقاطعة زواغة، وبالتحديد في أحياء “المرجة” و”سطار سكن” و”البردعي”، هو الفضيحة التي أسقطت ورقة التوت عن مجلس جماعي يقوده عبد السلام البقالي، عمدةٌ يبدو أنه يتقن فن “الخطابات الرنانة” ويفشل في أبسط أبجديات التدبير الميداني.
صفقة المليارات.. أين تبخرت وعود “ميكومار”؟
إن شركة “ميكومار”، المفوض لها تدبير هذا القطاع، تتقاضى مبالغ فلكية من جيوب دافعي الضرائب الفاسيين، لكن المردودية على أرض الواقع تثير “الغثيان”. فدفتر التحملات الذي يُفترض أن يكون “الدستور” الرابط بين الجماعة والشركة، تحول إلى مجرد حبر على ورق. أين هي الشاحنات الصغيرة التي ضُخت من أجلها الملايير لولوج الأزقة الضيقة؟ وأين هي فرق الكنس اليدوي التي اختفت من الأحياء الشعبية؟
إن لجوء الساكنة لجمع نفاياتها بوسائل بدائية (الحمير) هو إعلان رسمي عن إفلاس شركة النظافة وعن غياب تام لأجهزة المراقبة والتتبع داخل المجلس الجماعي. فكيف يُعقل أن تُصرف الاعتمادات المالية كاملة والخدمة “صفر” في أحياء آهلة بالسكان؟
سياسة “العكار فوق لخنونة”: تزيين الواجهة وتلويث العمق
لقد اختار مجلس البقالي نهج سياسة “الهروب إلى الأمام” من خلال ما يمكن وصفه بـ “العكار فوق لخنونة”. يتم تثبيت حاويات قمامة “استعراضية” في الشوارع الرئيسية الفارغة من المارة فقط لذر الرماد في العيون وإيهام الزوار بأن “كل شيء على ما يرام”، بينما تغرق الأحياء الحقيقية وأزقة زواغة و سايس و غيرهم في “تسونامي” من النفايات المترادفة.
إن رفض الساكنة لوضع الحاويات الكبيرة داخل أزقتهم الضيقة هو موقف عقلاني نابع من الخوف على صحتهم؛ فالحاوية في زقاق ضيق تتحول إلى “قنبلة بيولوجية” تنفث الروائح المسرطنة وتعرقل السير. المطلب كان دائماً هو الحق في خدمة لائقة عبر شاحنات صغيرة، لكن الشركة والمجلس اختارا الحل الأسهل (والأرخص لهما): تجاهل الساكنة وتركهم لمصيرهم مع الحشرات والأوبئة و البحث عن عربة وحمار و مستخدم ليقوم مقام الشركة مقابل إتاوات من الساكنة و نفس الشيء يحدث مع العشرات من الأشخاص الذين يكنسون الاحياء و الوداديات السكنية في غياب تام للشركة و رقابة المجلس النائم.
عمدة فاس.. هل هو عمدة للمدينة أم “حارس” لمصالح الشركات؟
يبرز السؤال الحارق: لماذا يلوذ عبد السلام البقالي بالصمت المريب أمام هذا الاستهتار؟ إن “الفشل الذريع” في تدبير ملف النظافة هو مرآة لفشل أعمق ينخر جسد المجلس الجماعي. فالمسؤولية لا تقع على عاتق الشركة وحدها، بل على من “يؤشر” على صرف الفواتير المليارية دون التأكد من نظافة الأزقة.
إن هذا الاستهتار بالمال العام يفرض على سلطات ولاية جهة فاس-مكناس التدبير المباشر وتفعيل لجان التفتيش والافتحاص لدفتر التحملات. لا يمكن أن يظل “المال العام” مستباحاً في صفقات لا يرى منها المواطن سوى “غبار الشاحنات” وهي تمر في الشوارع الكبرى، بينما يظل “الحمار” هو بطل المشهد في الأحياء المنسية.
فاس تستحق الكرامة لا “المزبلة”
إن ما تعيشه فاس اليوم هو نتيجة طبيعية لوجود منتخبين “مياومين” لا تهمهم سوى الحسابات الضيقة، وشركة ترى في المدينة “بقرة حلوباً” دون التزام أخلاقي أو تعاقدي. الساكنة اليوم لا تطلب المستحيل؛ هي تطالب بحقها في بيئة سليمة، وبأن تعود فاس عاصمة علمية فعلاً، لا أن تتحول إلى “إسطبل كبير” يدار بعقلية القرون الوسطى.
إما أن تُنزل شركة “ميكومار” آلياتها وتلتزم بدفتر التحملات كاملا و بشروط النظافة في كل زقاق، أو أن يُقر العمدة بفشله ويرحل.. ففاس أكبر من ميزانياتكم، وكرامة سكان المرجة وزواغة أغلى من وعودكم الكاذبة.






