من هزم المغرب في نهائي كأس إفريقيا؟

من هزم المغرب في نهائي كأس إفريقيا؟
لم تكن السنغال… بل الوهم الإعلامي الذي صدّقناه
لنضع العاطفة جانبًا، ولنكتب بدمٍ بارد وعقلٍ حاد:
السنغال لم تهزم المغرب في نهائي كأس إفريقيا للأمم.
الذي هزم المغرب هو الإعلام الذي تم الاعتماد عليه، الإعلام الذي رُوّج له باعتباره سندًا للدولة والجامعة والمنتخب، فإذا به يتحول إلى عبء ثقيل في لحظة تحتاج إلى الصدام لا إلى التطبيل، وإلى الهجوم لا إلى الانبطاح.
الهزيمة لم تُصنع في التسعين دقيقة، بل صُنعت في أشهر طويلة سبقت البطولة، حين اختير إعلام بلا أسنان، بلا مخالب، بلا نفس قتالي. إعلام يعيش على الامتيازات، يقتات على القرب من مراكز القرار، ويخشى فقدان “الرضا” أكثر مما يخشى سقوط صورة الوطن.
هزيمة بدأت قبل صافرة البداية
منذ الإعلان عن تنظيم الكان، كان واضحًا أن المغرب راهن على الصورة أكثر من المعركة.
تم التركيز على البنيات التحتية، الملاعب، الفنادق، الطرقات، الأمن، وحسن الضيافة، وكأن كرة القدم الإفريقية تُحسم بهذه العناصر وحدها. تم إغفال حقيقة بسيطة يعرفها الجميع:
الكان ليست بطولة كروية فقط، بل حرب سرديات، وصراع نفوذ، ومعركة نفسية مفتوحة.
في هذه الحرب، لا يكفي أن تكون منظمًا جيدًا، بل يجب أن تكون مسلّحًا إعلاميًا. وهنا تحديدًا بدأ السقوط.
ماكينة جزائرية تشتغل… وفراغ مغربي قاتل
في الجهة المقابلة، اشتغلت الماكينة الإعلامية الجزائرية بمنهجية واضحة:
تشكيك ممنهج في قدرة المغرب على التنظيم
ضرب صورة المنتخب
التشويش على التحكيم
التشكيك في نزاهة المنافسة
تأليب الرأي العام الإفريقي
قبل الكان، خلال الكان، وبعد الكان… لم تتوقف دقيقة واحدة.
لم يكن الأمر سرًا، ولم يكن خفيًا، ولم يكن مفاجئًا.
كل المعطيات كانت متوفرة، وكل الإشارات كانت واضحة.
لكن ماذا كان الرد المغربي؟
تقارير ناعمة.
تصريحات باهتة.
صمت طويل.
وإعلام اختار الوقوف على الهامش.
النتيجة كانت واضحة:
الآلة التي تشتغل تهزم الفراغ. دائمًا.
التحاق أصوات أخرى بالحملة
الأخطر من ذلك، أن هذا الفراغ سمح بانضمام أصوات أخرى من مصر وتونس وموريتانيا إلى موجة التشكيك، كلٌّ بدوافعه السياسية أو الرياضية أو النفسية. وهكذا، وجد المغرب نفسه في قلب عاصفة إعلامية إقليمية، بلا درع، بلا ردّ منظم، بلا قيادة تواصلية حقيقية.
هزيمة في النفوس قبل النتيجة
السنغال لم تنتصر فقط في النتيجة.
الانتصار الحقيقي كان نفسيًا.
ما الذي حدث؟
زُرع الشك في نفوس الجماهير
زُرع الشك في اللاعبين
شُكك في المنتخب
شُكك في المشروع
شُكك في كل شيء
خرج اللاعبون باكين، لا لأنهم خسروا مباراة، بل لأنهم شعروا أنهم خاضوا النهائي وهم مثقلون بالضجيج والتشويش والضغط، دون غطاء إعلامي يحميهم أو يدافع عنهم.
في كرة القدم الحديثة، الحرب النفسية جزء من اللعبة، ومن لا يدخلها مستعدًا، يخسر حتى لو كان أفضل فنيًا.
لا البنيات التحتية ولا المؤثرون ينقذون المعارك
البنيات التحتية مهمة، نعم.
الأمن ضروري، نعم.
حسن الضيافة قيمة مضافة، نعم.
لكن هذه عناصر تنظيم، لا عناصر صراع.
أما استقدام مؤثرين أجانب، يلتقطون الصور ويرحلون مع نهاية البطولة، فهو حل سطحي لا يبني رأيًا عامًا ولا يدافع عن وطن في لحظة استهداف.
الدفاع عن المغرب لا يقوم به من غادر، بل من بقي وقاتل بالكلمة.
إعلام مُصفّى… وأقلام أُبعدت
المفارقة المؤلمة أن المغرب أقصى عن عمد أو خوف أصواتًا كانت قادرة على المواجهة:
أقلام نقدية.
صحافة مستقلة.
إعلاميون يجيدون الهجوم المضاد.
تم استبدالهم بإعلاميين مروّضين، يفضّلون السلامة، ويخافون من رفع الصوت. وفي الحروب، من يرفع الراية البيضاء يُهزم دون طلقة واحدة.
الجامعة والمدرب: أخطاء مركبة
الإعلام ليس وحده المسؤول.
الجامعة أخطأت حين لم تدرك أن الصمت في هذه اللحظة خطيئة.
المدرب أخطأ حين استسلم لثقة مفرطة، وتعامل مع البطولة وكأنها محسومة بالموهبة وحدها.
في إفريقيا، لا شيء يُحسم مسبقًا.
اليوم مراجعة… والغد قرار
الأمس انتهى.
واليوم ليس للبكاء ولا للتبرير، بل للمراجعة الشاملة:
مراجعة اختيارات الإعلام.
مراجعة استراتيجية التواصل.
مراجعة من يتحدث باسم الوطن ومن يُسكت.
أما الغد، فهو يوم الحسم:
إما إعلام وطني قوي، مستقل، هجومي، واعٍ بمعارك العصر…
وإما هزائم تتكرر، بأشكال مختلفة، وبالأسباب نفسها.
الكرة الإفريقية لا تُربح فقط بالأقدام… بل بالعقول، وبالكلمة، وبالقدرة على المواجهة.
ومن لا يفهم ذلك، سيظل يسأل بعد كل إقصاء:من هزمنا؟






