سياسة

ولاية جهة فاس-مكناس وعام 2025: رهان العبور من زمن التدبير إلى فقه التغيير

شهد عام 2025 تحولاً دراماتيكياً في هرم السلطة بولاية جهة فاس-مكناس، حيث لم يعد منصب “الوالي” مجرد تكليف إداري، بل أضحى اختباراً وجودياً لمدى صمود رجال الدولة أمام مدينة لا تقبل التواري خلف المكاتب. هو عامٌ طبعته “الدينامية القلقة” التي انتهت بإرساء نموذج جديد للقيادة، بعد مخاضٍ إداري عسير.

“انكسار الرمزية”: الدرس المستفاد من رحيل الجامعي

لم يكن رحيل الوالي معاذ الجامعي مجرد إجراء إداري أعقب حادثة “خروف العيد” الشهيرة، بل كان انعكاساً لشرخٍ في الرمزية. الخطأ الجسيم الذي سقط فيه التدبير في تلك المرحلة لم يكن في الحادثة العرضية بحد ذاتها، بل في “الانفصال الوجداني” عن واقع الشارع الفاسي. حينما تسبق الطقوس البروتوكولية هموم الناس الميدانية، تفقد السلطة بوصلتها؛ ومن هنا انتهى المشوار، تاركاً خلفه درساً بليغاً: “فاس لا تُدار بالنيابة عن مشاعرها، بل بالانغماس في تفاصيلها”.

مرحلة “الانتقال الصعب”: جسور الصبار وداحا

في لحظة الفراغ، كان لزاماً على وزارة الداخلية الاستعانة بخبرات ميدانية لضبط الإيقاع:

عبد الغني الصبار: الذي حاول بمعطفه تدبير المرحلة و الحفاظ على تماسك المؤسسات.

سيدي صالح داحا: الذي جسد مرحلة “الترقب الحذر”، محاولاً تسيير الأزمات الصامتة في جهة لا تنام، و رجل دولة في جلباب مهندس الاستراتجية الأمنية جعلته يقود بنجاح و سلام إحتجاجات الطلبة و جيل زيد.

“خالد الزروالي”: هيبة الدولة في أزقة الهامش

ومع تصاعد التحديات، كان الإنزال القوي من الرباط بتكليف خالد الزروالي، والي مديرية مراقبة الحدود، بمهام النيابة. ورغم قصر مدته، إلا أنها كانت “صدمة إيجابية” في جسد الإدارة المحلية:

الاقتحام الميداني: كسر الزروالي جدار العزلة بين “الولاية” والأحياء التي كانت تُصنف “صعبة المنال”، حيث وصل إلى مناطق لم تطأها أقدام المسؤولين منذ عقود.

الصرامة الحدودية: نقل صرامة مراقبة الحدود إلى “مراقبة الأداء”، متتبعاً كل شاذة وفاذة، مما أعاد للمواطن ثقته في وجود “سلطة لا تنام”.

“عهد خالد آيت طالب”: من جراحة الأبدان إلى جراحة الإدارة

جاء التعيين الملكي للسيد خالد آيت طالب، وزير الصحة السابق، ليضع حداً لمرحلة الانتقال. هذا التعيين يمثل “قوة استراتيجية” لعدة اعتبارات:

الخبرة بالنبض الفاسي: آيت طالب ليس غريباً عن أزقة فاس؛ فإدارته السابقة للمركز الاستشفائي الجامعي جعلته خبيراً “بأنات” الساكنة واحتياجاتهم العميقة.

إدارة الأزمات الكبرى: الرجل الذي قاد سفينة “الفاشية” في أحلك ظروف جائحة كورونا، يُنتظر منه اليوم استئصال “أورام التعثر التنموي” بجرأة الجراح وحنكة المسؤول الترابي.

التصور الجديد: يمتلك آيت طالب فرصة تاريخية لإنزال مفهوم “الدولة الاجتماعية” على أرض الواقع في مدينة تعاني هشاشةً مركبة، مستفيداً من رصيده في الاستماع لشكاوى البسطاء وقدرته على اتخاذ القرارات  الصعبة.

فاس.. حيث يُصنع المتفوقون

إن تعاقب خمسة ولاة في عام واحد ليس دليلاً على ضعف، بل هو دليل على “عظمة التحدي” في جهة لا يقودها إلا الصفوة. إنها المدينة التي تلقب بـ “مقبرة المسؤولين” لأنها لا تقبل المهادنة، وهي “مدرسة المتفوقين” لأن من ينجح في فك شفراتها التنموية، يُخلد اسمه في تاريخ رجالات الدولة الكبار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى