حين يتحوّل بعض الإعلام إلى معول هدم: عدميون في ثوب صحفيين خلال كأس إفريقيا بالمغرب

مقال إخباري تحليلي:عبدالله مشواحي الريفي
وأنا أتابع التغطية الإعلامية لكأس إفريقيا للأمم المقامة بالمملكة المغربية، يبرز بوضوح معطى مقلق لا يمكن القفز عليه أو التعامل معه بنوع من التساهل، ويتعلق بتحول بعض المنابر والأصوات الإعلامية، داخل المغرب وخارجه، من ممارسة النقد المهني المسؤول إلى الانخراط في خطاب عدمي، تحريضي، يقتات على التشويه وتغذية الأخبار الزائفة، ويستهدف بشكل مباشر صورة المغرب، وبنياته التحتية، ومؤسساته، بل وحتى ثوابت الأمة التي حظيت عبر التاريخ بإجماع وطني راسخ.
لقد لوحظ منذ الإعلان عن احتضان المغرب لهذه التظاهرة القارية، أن إعلاما محسوبا على بعض دول الجوار، التي لم تستسغ اليد المغربية الممدودة ولا النجاحات المتتالية للمملكة قاريا ودوليا، دخل في حالة هوس مرضي بكل ما هو مغربي: الملاعب، الطرق، التنظيم، الأمن، وحتى تفاصيل هامشية لا ترقى لأن تكون خبرا. إعلام تخلّى عن أبسط قواعد المهنة، وارتضى لنفسه دور “المخبر” و”الذباب الإلكتروني”، يضخ الأكاذيب ويعيد تدوير صور أو وقائع مبتورة، في محاولة يائسة للنيل من تجربة تنظيمية تشهد لها كبريات المنصات الدولية.
غير أن يقظة المغاربة، داخل الوطن وخارجه، ويقظة السلطات والمؤسسات المعنية، سرعان ما فضحت هذا السيل من الأخبار الزائفة، بل إن المفارقة اللافتة أن قطاعات واسعة من شعوب تلك الدول نفسها بدأت تكذب روايات إعلامها المحلي، وتعترف، بوضوح وجرأة، بقوة المغرب وبنجاحه التنظيمي وبالتحول النوعي الذي تعرفه بنياته التحتية.
الصدمة من الداخل لا من الخارج
الغريب والمستفز في الآن ذاته، هو أنه مع انطلاق مباريات كأس إفريقيا للأمم في المدن الست المحتضنة، برزت فئة من الإعلاميين المغاربة – أو من يقدّمون أنفسهم كذلك – ممن اختاروا الاصطفاف في الصف العدمي نفسه. إعلاميون “يأكلون الغلة ويسبّون الملة”، ينخرطون، عن وعي أو عن انتهازية، في الحملة الممنهجة التي يقودها خصوم المغرب، ويحوّلون التغطية الإعلامية من نقل للوقائع إلى تصفية حسابات، وبحث محموم عن “الزاوية المظلمة” ولو على حساب الحقيقة.
هؤلاء لا يترددون في تضخيم أحداث معزولة، أو اقتطاع مشاهد خارج سياقها، أو تسويق معطيات غير دقيقة حول فيضانات ظرفية بسبب تساقطات مطرية عرفتها بعض الشوارع، أو التشكيك في تأهيل المدن، أو النفخ في مشاكل لوجستيكية عابرة عند مداخل الملاعب، وتقديمها للرأي العام وكأنها فشل ذريع أو انهيار شامل. الأخطر من ذلك، أن بعضهم يذهب حد التحريض غير المباشر على الزوار والجماهير، بدفعهم إلى الإدلاء بتصريحات مشينة أو منحازة، تخدم سردية التشويه لا الحقيقة.
بين النقد المهني والتشويه المتعمّد
لا أحد ينكر أن من حق الصحافة، بل من واجبها، نقل الاختلالات إن وجدت، ومساءلة القائمين على التنظيم، وتسليط الضوء على النقائص بروح بنّاءة. لكن ما يقوم به هؤلاء لا يمت بصلة للنقد المهني، لأنه يقوم على الكذب، والانتقائية، والتعميم، والتشويه المتعمّد، لا على التحقق والتوازن واحترام أخلاقيات المهنة، غير ان حقدهم على المؤسسات إختاروا صحافة “علال القادوس”.
إنهم مغاربة، أبناء هذا الوطن، لكنهم اختاروا أن يكونوا عدميين في تغطيتهم، ظنا منهم أن السباحة عكس التيار، والضرب في كل ما هو إيجابي، طريق سهل لكسب “المشاهدات” وركوب موجة الإثارة الرخيصة. يتناسون – أو يتجاهلون – أن هناك من يتربص بالمغرب من الخارج، وأن خطابهم، عن قصد أو غير قصد، يتحول إلى ذخيرة في يد الخصوم.
شهادة الإعلام الدولي… وامتحان المصداقية
يكفي، لمن أراد الحقيقة، أن يتابع تقارير القنوات الدولية المحايدة، ومواد كبريات الصحف والمنصات العالمية، التي تتغنى بجودة الملاعب، وسلاسة التنظيم، وحسن الاستقبال، والبنيات التحتية الحديثة، والأمن، والأجواء الاحتفالية التي تعكس صورة مغرب واثق من نفسه، منفتح، وقادر على تنظيم نسخة تاريخية من كأس إفريقيا للأمم، في أفق رهانات أكبر، إقليميا وعالميا.
الضرب، والضغط، والابتزاز الإعلامي، لا يمكن أن تنجح مع دولة قوامها إجماع وطني صلب حول ثوابتها، ومؤسسات تشتغل بمنطق الاستمرارية، وشعب أثبت، مرة أخرى، أنه واعٍ بما يحاك ضده، ويميز بين النقد الصادق والتخريب الممنهج.
إن ما نحتاجه اليوم ليس إعلام التطبيل ولا إعلام الهدم، بل إعلاما وطنيا مهنيا، ناقدا ومسؤولا، ينقل الوقائع كما هي، يبرز الإيجابي ولا يخفي السلبي، دون كذب أو تهويل أو خضوع لأجندات عدميّة. أما أولئك الذين اختاروا الاصطفاف ضد بلدهم، فسيبقون مجرد هامش ضجيج، في مقابل مغرب يمضي بثبات، ويكتب نجاحاته على أرض الواقع، لا في عناوين زائفة.






