قضايا

فاجعة آسفي تفتح “صندوق الكوارث”: ملايير مرصودة بلا أثر.. وقانون “العجز” يترك الضحايا لمواجهة الموت بـ”بيروقراطية” صماء

بينما كانت السماء تجود بأمطارها على مدينة آسفي، لم تكن السيول الجارفة وحدها من يهدد أرواح المواطنين، بل “الجمود الحكومي” وقوانين “التعجيز” التي أثبتت فاجعة آسفي أنها أكبر عائق أمام الإنقاذ وجبر الضرر. العشرات من القتلى والجرحى وخسائر مادية لا تُحصى، أعادت إلى الواجهة التساؤل الحارق: أين ذهبت الملايير التي رُصدت لصندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية؟ ولماذا تحولت “حماية المواطن” إلى حبر على ورق معطل بمراسيم بيروقراطية؟

صندوق الملايير.. عجز في التدبير وهدر للمكتسبات

منذ إحداث القانون رقم 110.14 المتعلق بنظام تغطية عواقب الوقائع الكارثية، تضخمت موارد الصندوق عبر “رسوم شبه ضريبية” تُقتطع وجوباً من جيوب المغاربة في عقود التأمين. لكن الواقع المرير أثبت أن هذه الملايير لم تجد طريقها لتأهيل المدن أو حماية الضحايا عند وقوع الفاجعة. المسؤولية هنا تقع مباشرة على عاتق الحكومة التي تدير هذا الصندوق، والتي لم تنجح في تحويل هذه السيولة المالية إلى “درع واقي” يجنبنا فواجع مماثلة لما وقع في آسفي.

فيتو “رئيس الحكومة”: عندما يقتل القانون الأمل

تُجمع القراءات القانونية والميدانية على أن نظام التعويض الحالي مصمم “ليعجز” لا “ليعوض”. فاستفادة المتضررين غير المؤمنين مشروطة بإجراءات بيروقراطية قاتلة تفرض تدخل رئيس الحكومة شخصياً لإعلان المدينة “منكوبة” وتحديد بداية الحالة الاستثنائية. هذا التمركز الشديد في القرار يحول دون وصول الدعم في الوقت المناسب، ويجعل من استغاثات المواطنين صدى في وادٍ حكومي سحيق.

شرط “الـ 21 يوماً”: قمة الاستهتار بالعقل الجمعي

أكبر تجليات “القصف القانوني” الذي يتعرض له المواطن المغربي يكمن في المادة الرابعة من مرسوم تطبيق قانون الكوارث. ففي بلد يشهد فيضانات فجائية وعنيفة، يشترط القانون مرور 504 ساعات متتالية (أي 21 يوماً كاملاً) من الفيضانات المستمرة زمنياً لاتخاذ القرار الإداري بالواقعة الكارثية. هذا الشرط التعجيزي يجعل من تعويض ضحايا فاجعة آسفي أمراً “شبه مستحيل”، وكأن المشرع الحكومي يطلب من المواطن أن يغرق لأسابيع حتى يستحق نظرة عطف قانونية.

تعويضات هزيلة.. وإقصاء للمهن والأنشطة

حتى في حال تجاوز العقبات البيروقراطية، تظل التعويضات الممنوحة “هزيلة” وغير شاملة. فهي تقتصر على السكن الرئيسي والأضرار البدنية، وتقصي تماماً المحلات المهنية والأنشطة التجارية التي تمثل عصب حياة الآلاف من الأسر في آسفي وباقي المدن. هذا المنطق “الكلاسيكي” في تدبير الكوارث يؤكد فشل النموذج الحالي في توقع المخاطر أو الاستجابة لمتطلبات “المغرب الصاعد”.

مطالب التدخل: كفى من سياسة “النعامة”

إن ما حدث في آسفي ليس مجرد حادث عرضي، بل هو صرخة في وجه حكومة تكتفي برصد الميزانيات وتغفل عن “تبسيط المساطر” وتحديث القوانين البالية. الساكنة اليوم تطالب بـ:

  • تعديل فوري للقانون 110.14: لإزالة العراقيل التشريعية والبيروقراطية التي تمنع النفاذ السليم للتعويضات.

  • إلغاء شرط “الـ 504 ساعات”: واعتماد معايير ميدانية واقعية ترتبط بحجم الضرر وليس بالمدة الزمنية المستحيلة.

  • إعادة هيكلة الجماعات الترابية: في شق تدبير المخاطر والتوقع الاستباقي للفيضانات.

 إن فاجعة آسفي يجب أن تكون آخر مسمار في نعش القوانين “البيروقراطية” التي تستنزف ميزانية الدولة وتترك المواطن وحيداً في مواجهة الطبيعة وفشل التدبير. المسؤولية اليوم تقتضي محاسبة المقصرين وتغيير فلسفة التعويض من “المنطق التبريري” إلى “المنطق التضامني الفعلي” الذي يحفظ كرامة المغاربة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى