مجتمع

طرق الأوحال وعقم القرار: “فاس-مكناس” تعاني الإقصاء رغم المليارات.. التلاميذ رهائن التقصير الجهوي

بعد كل شتاء يمر على أقاليم جهة فاس-مكناس، تتكشف حجم الفجوة الهائلة بين المركز المزدهر والهامش المعزول. إن المعاناة ليست قدرًا، بل هي نتيجة مباشرة لغياب رؤية تنموية حقيقية، وفشل ذريع في استثمار الميزانيات المخصصة لفك العزلة. وفي الوقت الذي بدأت فيه الأحاديث عن إطلاق لقاءات تشاورية ومناظرات حول التنمية الجهوية والمحلية، يجب أن يرتفع الصوت عالياً للمطالبة بوقف لغة الخشب والتركيز الفوري والمباشر على الأولوية القصوى التي تمس حياة المواطن اليومية: الطرق و الماء والإنارة العمومية.

لقد أثبتت التجربة في أقاليم  مولاي يعقوب و تازة و بولمان و تاونات، أن تخصيص مجلس الجهة للمليارات لفك العزلة كان مجرد مشاريع ترقيعية لم تصمد أمام أول اختبار حقيقي للمناخ. إن العزلة المأساوية التي تعيشها الساكنة مع كل تساقط مطري، وتحول الطرق إلى أحواض طينية ومسارات خطر على حياة التلاميذ، هو دليل دامغ على أن المشكل ليس في نقص الأموال، بل في جودة المشاريع وصدق النوايا.

يجب على اللقاءات التشاورية القادمة أن ترفض أي نقاش لا يضع المسالك الطرقية القروية على رأس الأجندة. يجب أن تركز المناقشات على:

  1. جودة الإنجاز لا الكمية: وضع معايير صارمة للمواد المستخدمة لضمان ديمومة الطرق القروية ومقاومتها للسيول، بدل “الزفت الخفيف” الذي يذوب مع أول شتاء.

  2. ربط القرى بالخدمات الأساسية: التأكيد على أن تكون شبكة الطرق المنجزة قادرة على تحمل مرور النقل المدرسي والإسعاف والمركبات التجارية، لضمان استمرارية الحياة الاقتصادية والتعليمية.

  3. الشفافية الكاملة: الكشف عن مصير ميزانيات فك العزلة السابقة، وتحديد الجهات المسؤولة عن المشاريع العشوائية التي استنزفت المال العام دون تحقيق الهدف.

لا يمكن الحديث عن مساهمة في رفع المعاناة في العالم القروي دون معالجة قضية الإنارة العمومية التي تغرق الدواوير في ظلام دامس بمجرد غروب الشمس. إن غياب الإنارة لا يتعلق برفاهية شكلية، بل هو مسألة أمن وأمان أساسية:

  • الأمن الشخصي: الظلام يعرض الساكنة، وخاصة النساء والأطفال، لخطر الاعتداءات والحوادث.

  • الولوج للخدمات: الظلام يعيق وصول الساكنة إلى المراكز الصحية والمدارس القريبة في أوقات الضرورة أو في الصباح الباكر والمساء المتأخر.

  • هدر الطاقات: الاستمرار في استخدام وسائل إنارة قديمة ومكلفة بدلاً من الاعتماد على الحلول المستدامة والطاقة الشمسية، يظهر غياب الرؤية الحديثة في تدبير الشأن الجهوي.

إن أي لقاء تشاوري جاد يجب أن يطالب بـإلزام مجالس الجماعات والجهة بتعميم الإنارة العمومية عبر مخططات واضحة بتمويل مشترك.

يجب أن تتحول اللقاءات التشاورية القادمة إلى منصات لمحاسبة المسؤولين لا للدعاية لهم. فالمواطن في أقاليم فاس-مكناس القروية لم يعد يكتفي بالوعود “المُغلفة” والخطب الرنانة. إن التنمية الحقيقية هي التي تُحسّ في: قدرة التلميذ على الوصول إلى المدرسة دون الانزلاق في الوحل، وفي الإضاءة التي تضمن عودة العامل بأمان إلى بيته، وفي طريق لا تقطع قوافل الإغاثة عن القرى.

إن فشل مجلس الجهة المتكرر في ملف فك العزلة، على الرغم من ضخامة الميزانيات المرصودة، يؤكد أن المشكلة هيكلية ومرتبطة بسوء الحكامة. يجب أن تركز الحوارات على كيفية استرداد هذا المال العام المهدر، وكيفية فرض رقابة صارمة وشراكة مباشرة مع المجتمع المدني لضمان أن المشاريع المستقبلية للطرق والإنارة تذهب فعلاً لخدمة الساكنة، لا لملء جيوب المقاولين والوسطاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى