اقتصاد

المغرب يدخل رسمياً عصر الجيل الخامس: ثورة رقمية بـ80 مليار درهم تُعيد رسم ملامح الاتصالات والاقتصاد

أعلنت شركات الاتصالات الثلاث بالمغرب، اليوم الجمعة 7 نونبر 2025، عن الانطلاقة الرسمية لشبكة الجيل الخامس (5G)، في خطوة وُصفت بالتاريخية نحو تسريع التحول الرقمي للمملكة، وتعزيز مكانتها كقطب رقمي رائد في القارة الإفريقية.

هذا الإطلاق يُعد تتويجاً لمسار من التحضير التقني والاستثماري الكبير، حيث ستفتح الشبكة الجديدة آفاقاً واسعة أمام المواطنين والمقاولات والقطاعات الحيوية، بما يجعل من الرقمنة رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

تُوفّر شبكة الجيل الخامس سرعة إنترنت تفوق عشرات المرات ما هو متاح حالياً، مع زمن استجابة شبه لحظي، ما يمنح المستخدمين تجربة رقمية جديدة كلياً في العمل والتعليم والترفيه والتواصل.
وبحسب معطيات الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات (ANRT)، ستبدأ خدمات 5G بالانتشار تدريجياً داخل كبريات المدن المغربية خلال المرحلة الأولى، بهدف تغطية 25% من السكان بنهاية سنة 2025، على أن تتوسع التغطية لتشمل ما بين 70% و85% من المواطنين بحلول عام 2030.

لتنزيل هذا المشروع العملاق، رُصدت استثمارات بقيمة 80 مليار درهم من طرف الحكومة وشركات الاتصالات، لتحديث البنى التحتية، ومدّ الألياف البصرية، وإنشاء أبراج ومحطات جديدة تستوعب سرعات الاتصال الهائلة التي تتطلبها شبكة الجيل الخامس.

وأكدت الشركات الثلاث – اتصالات المغرب، إنوي، وأورنج المغرب – أن هذه الخطوة لا تعني فقط إنترنت أسرع، بل تحولاً جذرياً في الخدمات الرقمية، سيمكن من بث الفيديوهات بدقة فائقة دون انقطاع، وتنظيم الاجتماعات الافتراضية في الوقت الحقيقي، ودعم الابتكارات في مجالات الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والمدن الذكية.

في المرحلة الأولى، ستشمل التغطية أزيد من 100 مدينة مغربية، بينها الدار البيضاء، الرباط، مراكش، فاس، طنجة، أكادير، والعيون.
وأوضحت الشركات أن هذه التغطية ستتوسع تدريجياً لتشمل المناطق القروية والنائية، حيث ستتيح شبكة الجيل الخامس لاحقاً تغطية رقمية شاملة حتى في المناطق التي لم تصلها شبكات 4G و3G سابقاً، بفضل فعاليتها وسرعتها العالية.

يرى الخبير في الاقتصاد الرقمي رضوان السودي أن الانطلاقة الرسمية للجيل الخامس تمثل “خطوة استراتيجية تندرج في صلب الرؤية الملكية الرامية إلى تعزيز التحول الرقمي للمملكة في أفق 2030”.

وأوضح السودي في تصريح لـSNRTnews أن جاهزية البنية التحتية كانت حاسمة في إطلاق هذه الشبكة، مشيراً إلى أنها ستبدأ في المدن الكبرى قبل تعميمها على باقي المناطق، خصوصاً تلك التي ستحتضن التظاهرات الرياضية الكبرى.

وأضاف أن “شبكة الجيل الخامس ليست مجرد تطور تقني، بل هي نقلة نوعية في نمط الاقتصاد الوطني، إذ ستدعم الابتكار في قطاعات الزراعة الذكية، الصحة الرقمية، الصناعة المتصلة، والتعليم عن بُعد، وإنترنت الأشياء، مما سيساهم في تسريع الإنتاجية وتحسين الخدمات العامة”.

وأكد الخبير أن المغرب بفضل استثماراته في الرقمنة والبنى التحتية الحديثة، “يتجه إلى التموقع كمركز رقمي إقليمي، خاصة أنه يتوفر اليوم على أسرع صبيب إنترنت في إفريقيا.”

من شأن الجيل الخامس أن يفتح الباب أمام ثورة في مجالات متعددة، أبرزها الصحة الرقمية عبر تطوير خدمات التطبيب عن بُعد، ومتابعة المرضى في المناطق النائية بشكل فوري ودقيق.
كما سيعزز التعليم الإلكتروني والتكوين المستمر من خلال بث الدروس واللقاءات التفاعلية بدقة عالية ودون انقطاع، فضلاً عن تمكين المقاولات من التحول نحو أنظمة إنتاج مؤتمتة وسريعة، تدعم الابتكار وتنافسية السوق المغربية.

أكدت شركة اتصالات المغرب أن زبناءها الذين يتوفرون على هواتف متوافقة مع تقنية 5G سيتم تحويلهم تلقائياً للاستفادة من الشبكة الجديدة دون أي رسوم إضافية، مشيرة إلى أن الانتقال سيكون “سلساً وسهلاً”، مع توفير اتصال فائق السرعة واستجابة شبه لحظية.

أما شركة إنوي فأعلنت أن شبكتها “5G inwi” تغطي منذ اليوم المدن الكبرى، مع إمكانية نقل ومشاركة الملفات والفيديوهات بسرعة فائقة، وتنظيم الاجتماعات عن بعد بجودة وواقعية عاليتين، مؤكدة أن الخدمة متاحة بدون أي تعديل في العرض أو بطاقة الـSIM.

من جهتها، اعتبرت شركة أورنج المغرب أن الجيل الخامس يمثل “جسراً نحو حياة يومية أكثر غنى وبساطة”، إذ يتيح مكالمات مصوّرة عالية الدقة، وبثاً مباشراً أكثر سلاسة، وتجارب رقمية تفاعلية محسّنة، فضلاً عن دعم الابتكار والاشتغال في الزمن الحقيقي داخل المقاولات.

بالتوازي مع هذا التوسع التقني، شددت الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات على أنها تعمل مع الفاعلين لضمان توزيع عادل وآمن لخدمات 5G، ولتعزيز الأمن السيبراني أمام الارتفاع المتوقع في تبادل المعطيات الرقمية.
وأكدت الوكالة أن الهدف هو مواكبة التطور التكنولوجي دون المساس بحماية المعطيات الشخصية أو سلامة الشبكات الوطنية.

يدخل المغرب اليوم مرحلة جديدة من تاريخه الرقمي، حيث يُتوقع أن تُحدث شبكة الجيل الخامس تحولاً حقيقياً في الاقتصاد الوطني، وترسخ مكانة المملكة كأحد أبرز روّاد التحول التكنولوجي في إفريقيا والعالم العربي.

وبينما ينتظر المواطنون بترقب انتشار الخدمة بشكل واسع، تتجه الأنظار إلى مدى قدرة المغرب على استثمار هذه البنية التحتية الضخمة لتطوير نموذج اقتصادي قائم على المعرفة والابتكار، يربط بين الإنترنت السريع، والفرص الواعدة، والمستقبل الذكي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى