من “فورة ديسكورد” إلى “هزيمة الميدان”: هل كانت حركة جيل “زد” مجرد فقاعة إعلامية عابرة؟

لقد شكلت “الخرجة” الشبابية التي انطلقت عبر الفضاء الافتراضي والمنابر الرقمية، والتي باتت تُعرف بحركة جيل “زد”، موضوع نقاش وجدل واسع في المشهد المغربي خلال الأيام العشرة الماضية. هي حركة وُلدت من رحم الإحباط الشبابي العميق، وتسلحت بأدوات العصر الجديد (غرف ديسكورد ومنصات التواصل الاجتماعي)، وحاولت أن تقدم نفسها كصوت بديل وكسر للمألوف في آليات الاحتجاج. ولكن، بعد أيام معدودة من الضجيج الإعلامي الصاخب، أظهر الواقع الميداني صورة مغايرة تماماً، صورة تشي بفشل التنظيم وتراجع الزخم، وتؤكد أن هذه الحركة لم تكن سوى فقاعة إعلامية ضُخّمت بشكل مبالغ فيه، لتنتهي سريعاً إلى همسة محتشمة تُنذر بنهاية مبكرة.
إن البيان الصادر عن هذه المجموعة بتاريخ 7 أكتوبر 2025، والذي تم تداوله بشكل واسع، هو وثيقة تجمع بين سقف عالٍ جداً من المطالب ونبرة حادة ضد الوضع القائم، وبين غياب الرؤية الواضحة لآليات التنزيل والتنظيم. فالمطالبة بـ “المحاسبة والمساءلة” و**”فقدان الثقة الكاملة في الحكومة”** هي شعارات قوية، لكنها لم تجد ترجمتها في الفعل الميداني القوي والمستدام.
1. تحليل الهشاشة التنظيمية: وهم الكاريزما الافتراضية
إن المؤشرات التي أفرزتها الوقفات الاحتجاجية “العاشرة”، التي نُظمت يوم الإثنين في عدة مدن، كانت قاطعة. فالتجمعات كانت محتشمة للغاية، وعدد المشاركين لا يتناسب إطلاقاً مع الهالة الإعلامية التي حظي بها الحراك. هذا التراجع السريع في الحشد بعد أيام قليلة من الانطلاق يضع علامات استفهام كبرى حول قدرة القيادة الفعلية للحركة على التنزيل الميداني.
- الكاريزما المغيبة: النضال الميداني يتطلب كاريزما قيادية حقيقية قادرة على التعبئة والتوجيه وإدارة الحشود في الشارع، وهي كاريزما لا يمكن صناعتها في غرف الدردشة المغلقة. قادة هذا الحراك المفترضون، يبدو أنهم ما زالوا يفتقرون إلى الخبرة والقدرة على تحويل التفاعل الرقمي إلى التزام واقعي. إنهم يتحدثون لغة التحليل السياسي العالي، لكنهم يتجاهلون أبجديات العمل الجماهيري التي تتطلب جهداً مضنياً ودراية بالواقع السوسيولوجي.
- الشباب المُغرَّر بهم: جزء كبير من المشاركة، وخصوصاً في البداية، كان ناتجاً عن “هيجان افتراضي” مدفوع باليأس الاجتماعي، حيث يتم “التغرير” بالشباب عبر منصات مثل ديسكورد ووعدهم بـ “التغيير السريع”. لكن التغيير في المجتمعات لا يتم بـ نقرة زر، بل بـ التراكم النضالي. بمجرد الاصطدام بحرارة الشمس، وصعوبة التنسيق، وعدم وضوح الأهداف، سرعان ما يتلاشى هذا الحشد العاطفي.
2. أزمة الشرعية النضالية: التيه بين الشارع والشاشة
ما يؤكد على هشاشة هذا الحراك هو غياب الشرعية النضالية المتجذرة لدى غالبية المشاركين والمؤطرين.
- غياب الخلفية النضالية الصلبة: الأجيال التي قادت حركات الاحتجاج والإصلاح التاريخية في المغرب كانت تنتمي إلى فضاءات محددة:الأحزاب الوطنية، الجامعات (الفصائل الطلابية الشرسة والمنظمة)، النقابات، أو التنظيمات الشبابية الحزبية والجمعوية التي لها تاريخ في “صراع الشارع”. هؤلاء الشباب اليوم، لم ينخرطوا في هذه المصانع النضالية. إنهم يفتقرون إلى التكوين الأيديولوجي والخبرة التنظيمية التي تعلم كيفية إدارة الاحتجاج، التفاوض، الصمود في وجه الضغوط، والأهم: كيفية بناء الثقة المتبادلة بين القادة والصف.
- البيان المتعثر والمطالب الفضفاضة: البيان المعمم صباح اليوم الثلاثاء(7 أكتوبر 2025)، رغم حماسه، جاء يحمل “مطالب غير مفهومة” في آليات التنزيل. المطالب السبعة (من إصلاح التعليم والصحة، إلى خلق فرص الشغل والعدالة في توزيع الثروات) هي في جوهرها مطالب وطنية متفق عليها، لكن ما هو الجديد الذي قدمه هذا الحراك في البرنامج أو الرؤية؟ لا شيء تقريباً. فالبيان يفتقد إلى الأجندة الواقعية التي يمكن البناء عليها. هذا الغموض يؤكد أن الحركة لم تستطع تجاوز مرحلة الشعار العاطفي إلى مرحلة البرنامج السياسي التنفيذي. إن محاربة الفساد تبدأ بمسودة قوانين، وبآليات تتبع، وليس بمجرد وقفات محتشمة.
3. النبوءة المحققة: نهاية سريعة متوقعة
إن ما يقع اليوم كان متوقعاً بالنظر إلى التركيبة السوسيولوجية والسياسية للمغرب:
- صعوبة الشارع المغربي: الشارع المغربي ليس مرتعاً سهلاً للاحتجاجات العفوية. فالمجال العام مضبوط، والنضال يتطلب نفساً طويلاً وشبكات دعم واسعة (مالية، قانونية، إعلامية). الحركة التي تعتمد على “التنظيم الأفقي” و”الهويات السائلة” (دون انضباط حزبي أو نقابي) لا يمكنها الصمود في وجه أولى العواصف.
- ثقافة “جيل زد” والهروب: هذا الجيل، رغم وعيه التكنولوجي، يتميز بثقافة الاستجابة السريعة والانسحاب السريع. الإحباط يأتي بسرعة، ولكنه يتحول إلى هروب من الميدان عند أول شعور بـ “عدم الجدوى” أو “الخطر”. بخلاف الأجيال السابقة التي كانت تؤمن بـ التضحية والتراكم النضالي الطويل الأمد.
- التغيير لا يُنْزَل من الصفر: المطالبة بالتغيير الجذري تبدأ دائماً بـ أبجديات النضال، أي الانخراط في الهياكل القائمة (أحزاب، نقابات، جمعيات) لتغييرها من الداخل، أو بناء تنظيم بديل قوي من القاعدة. الانطلاق من درجة الصفر للمطالب الجذرية، والاعتقاد بأن “غرف الدردشة” ستُحققها، هو ضرب من الخيال السياسي.
الخلاصة والآفاق: الدعوة إلى الواقعية النضالية
إن حركة “جيل زد”، التي أرادت أن تكون هزّة في المشهد، لم تكن سوى رجّة عابرة. لقد أظهرت مجدداً أن النضال الحقيقي لا يمكن اختزاله في التفاعلات الرقمية. التغيير هو عملية شاقة، بطيئة، تتطلب الانخراط اليومي في الميدان والشارع، وليس مجرد لقاءات افتراضية غير مُلزمة.
على الشباب الذي يريد محاربة الفساد والإصلاح: عليهم أن يدركوا أن الوقت قد حان للخروج من الغرف الوهمية إلى الممارسة اليومية الواقعية. يجب البحث عن الريادة الحقيقية في صفوف العمل الجماهيري، وأن ينخرطوا في بناء هياكل صلبة قادرة على الصمود، سواء كانت حزبية، نقابية، أو جمعوية. الميدان صعب، والتغيير يُصنع فيه، لا في شاشات الهواتف.
لقد انتهت هذه “الفورة” سريعاً لتؤكد قاعدة قديمة: “الشعارات لا تكفي، والتنظيم هو مفتاح التغيير و الإصلاح”. وبغياب التنظيم الصلب والقيادة الكارزمية المتمرسة، فإن هذا الحراك لا يمثل سوى نفسه وغرف الدردشة التي أنجبته، مُسجلاً فصلاً جديداً في تاريخ الإحباط الشبابي المغربي الذي يبحث عن قنوات للتعبير ويضل الطريق إليها عبر أوهام العالم الافتراضي.






