مفتشية المالية تقتحم دهاليز الصفقات العمومية… اختلالات بالجملة وتراجع غامض عن قرارات الفسخ

باشرت المفتشية العامة للمالية عملية تدقيق موسعة شملت مؤسسات ومقاولات عمومية، في أعقاب توصلها بإشعارات مثيرة للريبة حول اختلالات صاحبت مساطر وإجراءات فسخ صفقات عمومية. هذا التحرك جاء بعد تنامي مؤشرات على تزايد حالات التراجع عن قرارات فسخ، وسط تبريرات وُصفت بالملتبسة من قبل أصحاب المشاريع.
مصادر مطلعة أكدت أن مصالح التفتيش توصلت بمعطيات دقيقة بخصوص مؤسسات عمومية أعادت النظر في قراراتها القانونية المتعلقة بالفسخ، بعد استشرافها لخسائر مالية وقانونية محتملة. خاصة بعدما لجأت شركات متعاقدة إلى توثيق إنجاز الأشغال وتوريد التجهيزات عبر مفوضين قضائيين، في محاولة لإثبات احترامها للمواصفات المتفق عليها.
وخلال مهام التدقيق، طلب المفتشون من مسؤولي المشتريات والصفقات في مؤسسات عمومية الاطلاع على وثائق تمتد لثلاث سنوات، من محاضر تسلم مؤقت ونهائي، إلى ملفات متعلقة بالتبليغ القانوني. التحقيقات لم تتوقف عند هذا الحد، بل امتدت إلى ملفات عالقة تخص صفقات لم تُحسم وضعيتها بسبب عدم أداء كشوفات مالية أو التخلف عن تسديد مبالغ الاقتطاعات الضامنة.
المفتشية رصدت أيضًا عجز إدارات عمومية عن الالتزام بشروط إلغاء أو تقليص الاعتمادات المرصودة في صفقات استعجالية، بسبب غياب محاضر التسليم والكشوفات النهائية. كما سجلت ارتباكًا كبيرًا في تدبير قرارات الفسخ، بين التراجع عنها أو الاكتفاء بتبريرات إدارية، ما فتح الباب أمام شبهات تلاعب وتواطؤ.
أصحاب المشاريع حاولوا الدفاع عن قراراتهم بالقول إن قرارات الفسخ ذات طابع إداري يمكن التراجع عنها متى لم يترتب عنها ضرر للمقاولين. غير أن المفتشين واجهوهم بأسئلة دقيقة حول استمرار أسباب الفسخ التي تم التنصيص عليها في البداية، ولماذا لم تُستكمل الإجراءات القانونية اللازمة من إعذارات وتوجيه أوامر خدمة.
كما توقف التدقيق عند غياب حزم واضح في مواجهة مقاولين ثبت إخلالهم بالتزاماتهم التعاقدية، حيث لم يتم توجيه إعذارات قانونية تتيح فسخ الصفقات بشكل نهائي، مع ما يترتب عن ذلك من إجراءات مثل حجز مبالغ الضمان أو تفعيل الاقتطاعات.
وزارة الاقتصاد والمالية بدورها سارعت، خلال الفترة الأخيرة، إلى تصفية عدد من ملفات الصفقات العالقة، خاصة تلك التي استحال تسويتها ماليًا وقانونيًا وفق ما يفرضه القانون المالي العام، بما في ذلك الاقتطاعات الضامنة التي تفرض لحماية مصالح الدولة والمؤسسات العمومية.
في ضوء هذه التطورات، تبدو عملية التدقيق التي تقودها المفتشية العامة للمالية بمثابة ناقوس خطر جديد حول هشاشة منظومة تدبير الصفقات العمومية بالمغرب، وضرورة القطع مع منطق التساهل والتلاعب الذي يكلف الخزينة العمومية خسائر بملايين الدراهم، ويضع سمعة المؤسسات العمومية على المحك.






