سياسة

ملف الأحد: الحكومة تُجهز على قوانين الشفافية وتُعاكس التوجيهات الملكية..تشريع على المقاس.. ريع جمعوي.. تفكيك منظومة الإصلاح..إقبار لمؤسسات الدولة..

ملف الأحد: من إعداد :عبدالله مشواحي الريفي

على الرغم من الخطابات الملكية المتكررة التي تؤكد على ضرورة إشراك المجتمع المدني في حماية المال العام ومكافحة الفساد، تأتي الخطوات الأخيرة للحكومة الحالية لتؤكد عكس ذلك تمامًا. في مشهدٍ يثير القلق، تصدر قرارات تشريعية تقلص من دور جمعيات المجتمع المدني، وتحد من قدرتها على الترافع في قضايا الفساد والرقابة على المال العام. قانون المسطرة المدنية الأخير، الذي صادق عليه مجلس النواب، يفرض قيودًا صارمة على إمكانية مشاركة هذه الجمعيات في متابعة ملفات الفساد، مما يُعد تراجعًا عن المكتسبات الدستورية والالتزامات الدولية التي صادق عليها المغرب.

دعوات جلالة الملك محمد السادس المتكررة، التي تؤكد على ضرورة مشاركة المجتمع المدني كرافعة أساسية لتخليق الحياة العامة وتعزيز الحكامة والشفافية، تبدو اليوم في مهب الريح. فقد تركزت الحكومة، بقيادة عزيز أخنوش، على تحجيم هذه المشاركة، عوض تشجيعها وتوسيعها. وهذا التناقض بين التوجيهات الملكية وبين الممارسات الحكومية يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل الإصلاح الديمقراطي في البلاد، ويضع في مهب الريح جهود مكافحة الفساد التي يُفترض أن تكون في صلب الأولويات الوطنية.

تفكيك منظومة الإصلاح: من الإثراء غير المشروع إلى إقبار المؤسسات

لم يقتصر الأمر على التضييق القانوني على المجتمع المدني فقط، بل امتد ليطال بشكل مباشر أهم التشريعات والمؤسسات التي كانت تشكل رافعة أساسية لمحاربة الفساد. ففي خطوة أثارت استغراب المراقبين والفاعلين الحقوقيين، سحب عبداللطيف وهبي وزير العدل مشروع قانون الإثراء غير المشروع، الذي كان يمثل أداة قانونية مهمة في مكافحة استغلال النفوذ والمكاسب غير المشروعة. هذا القرار لم يقابل بالرفض فقط من المجتمع المدني، بل فتح باب التساؤلات حول الجدية السياسية في مواجهة مظاهر الفساد التي تواترت على الساحة في السنوات الأخيرة.

كما أن اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد، التي جاءت في الاستراتيجية الوطنية للنزاهة كآلية مركزية لتنسيق جهود محاربة الفساد، بقيت جامدة دون أي نشاط يذكر منذ تسلم الحكومة الحالية مهامها. هذا الغياب شبه التام للهيئة، رغم النداءات المتكررة لمؤسسات الرقابة والحكامة، يشي بفقدان الإرادة السياسية الحقيقية في تطبيق الإصلاحات. ويضع هذا الواقع علامات استفهام كبيرة حول مدى التزام الحكومة بمكافحة الفساد بشكل شامل يتجاوز حدود الترافع السياسي واستهداف المنتخبين فقط.

هذا التفكيك القانوني والمؤسساتي، على الرغم من تعقيدات وتحديات المرحلة الراهنة، يُعد خطوة إلى الوراء في مسار الإصلاح الذي طالما تمناه الشعب المغربي، خاصة في ظل ما تعرفه البلاد من استثمارات ومشاريع كبرى تتطلب شفافية ومساءلة صارمة، وهو ما يهدد استقرار منظومة الحكامة ويفتح المجال أمام ممارسات قد تضر بالمصلحة العامة.

إقصاء المجتمع المدني وتغذية الريع الجمعوي: سياسة مزدوجة

إن التضييق على المجتمع المدني لا يقتصر على النصوص القانونية فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى تمييز واضح بين الجمعيات التي يُسمح لها بالنشاط والدعم، وتلك التي تُمنع من الترافع أو المراقبة. فقد تحولت بعض الجمعيات التي تمولها وتدعمها الحكومة، خاصة المرتبطة و الموالية للأحزاب السياسية ، إلى أدوات في خدمة أجندات سياسية، وهو ما يُضعف من مصداقية المجتمع المدني ويحول دون ظهور قوى حقيقية قادرة على مساءلة السلطة والرقابة على المال العام.

في المقابل، تُحاصر جمعيات مستقلة وفعالة في مجال مكافحة الفساد، التي تواجه حظرًا على إمكانية تقديم شكايات أو متابعة ملفات الفساد بشكل مباشر. هذه السياسات المزدوجة تكرس منطق الريع والاستغلال السياسي للعمل الجمعوي، وتُبعد الفاعلين الحقيقيين عن الميدان، وتُضعف فرص محاربة الفساد بشكل جدي.

النتيجة، أن المجتمع المدني المغربي يعيش حالة من التضييق والضغط المتزايدين، في وقت يحتاج فيه إلى تمكين حقيقي وتسهيلات لممارسة دوره في حماية المال العام والدفع نحو شفافية حقيقية، وليس حجب دوره أو محاصرته لصالح مصالح ضيقة.

أزمة الثقة وتأثيرها على الإصلاح والتنمية الوطنية

في ظل هذه المعطيات، تتزايد حالة الإحباط لدى المواطنين والمجتمع المدني على حد سواء. ويعكس ذلك انخفاض ثقة الجمهور في نوايا الحكومة بشأن مكافحة الفساد وتحقيق الشفافية، وهو أمر له تداعيات خطيرة على العملية التنموية والاستثمارية في البلاد. فعندما يُحجم دور المجتمع المدني وتُجهض المبادرات التشريعية التي ترمي لتعزيز النزاهة، فإن الرسالة التي تصل إلى الداخل والخارج هي تراجع في قيم الشفافية والمسؤولية.

المغرب، الذي يستعد لاستضافة مشاريع كبرى واستحقاقات دولية مهمة، مثل استضافة جزء من كأس العالم، يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى ضمانات جدية لمحاربة الفساد وتطوير آليات رقابة قوية وفعالة. تحذيرات منظمات دولية عدة، مثل الشفافية الدولية والبنك الدولي، تنبّه إلى أن استمرار هذا المسار قد ينعكس سلبًا على صورة البلاد وقدرتها على جذب الاستثمارات، ويزيد من كلفة الفساد ويضعف القدرة التنافسية.

الأزمة العميقة في الثقة تعكس ضرورة ملحة لإعادة النظر في السياسات الحكومية، وتعزيز الشراكة الحقيقية مع المجتمع المدني، وتحويل مكافحة الفساد إلى قضية وطنية تتبناها كل المؤسسات وأطياف المجتمع، من دون استثناءات أو مجاملات.

استعادة التوجيهات الملكية: الطريق الوحيد للخروج من الأزمة

إن الخطابات الملكية كانت دائمًا بمثابة بوصلة الإصلاح في المغرب، حيث أكد جلالة الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة على أهمية إشراك المجتمع المدني في محاربة الفساد، وتعزيز الحكامة، وفتح المجال للمساءلة والرقابة الشعبية. هذه الرؤية تضع المواطن في مركز العملية الديمقراطية، وتمنحه حق التعبير عن رأيه ومحاسبة المسؤولين، كضمان أساسي لاستدامة الإصلاح.

لكن الحكومة الحالية اختارت طريقًا مغايرًا، عبر التضييق على المجتمع المدني وإجهاض العديد من المبادرات التشريعية التي تدعم الشفافية، مما يهدد بانسداد أفق الإصلاح وتراجع صورة المغرب على المستوى الدولي. الحل الوحيد للخروج من هذه الأزمة هو إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، عبر إقرار دور فاعل للمجتمع المدني وتمكينه من ممارسة مهامه بحرية، وتفعيل اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد، وإعادة إحياء مشاريع القوانين الحاسمة مثل الإثراء غير المشروع و تضارب المصالح،وفصل سلطة المال عن سلطة السياسة.

في النهاية، معركة مكافحة الفساد وحماية المال العام ليست خيارًا بل ضرورة مصيرية، تتطلب إرادة سياسية حقيقية وشفافة، احترامًا للالتزامات الدستورية والدولية، ووفاءً لتوجيهات جلالة الملك التي تؤكد على أن المغرب يمكنه أن يخطو خطوات كبيرة نحو دولة الحق والقانون، فقط إذا استعاد دوره كفاعل أصيل في هذا المسار، وحافظ على توازن القوى بين الدولة والمجتمع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى