قضايا

شبكة مالية مشبوهة تهز المغرب.. ‘تضخيم الأرباح’ يكشف مخططًا جهنميًا لغسل أموال المخدرات والرشاوى!

في تطور مثير هز أروقة المال والأعمال، استنفرت الهيئة الوطنية للمعلومات المالية مصالحها لكشف خيوط شبكة معقدة من الشركات المتورطة في عمليات غسل أموال مشبوهة ذات طبيعة جبائية. التحقيقات الأولية كشفت عن معاملات تجارية ضخمة بين شركات حديثة النشأة، لم يمض على تأسيس بعضها سوى خمس سنوات، مما أثار شكوك المراقبين حيال “تضخيم” غير مبرر للأرباح المصرح بها ضريبيًا، وهو ما يُشتبه في كونه ستارًا لغسل أموال قذرة متأتية من تجارة المخدرات والرشاوى.

الغوص العميق لمراقبي الهيئة في هذه المعاملات كشف عن صورية واضحة في العمليات التجارية الموثقة بفواتير وشيكات وتحويلات بنكية تبدو قانونية في ظاهرها. اللافت أن هذه الشركات، التي تنشط ظاهريًا في قطاعات متنوعة كالنسيج والألبسة الجاهزة، وتوزيع مستلزمات الخياطة، والطباعة والهدايا المؤسساتية، والمخبوزات والشوكولاطة، وحتى الحراسة والنظافة، تفتقر إلى مقرات اجتماعية حقيقية، معتمدة على خدمات التوطين لدى مكاتب محاسبة في الدار البيضاء وطنجة. المفارقة الصادمة تكمن في حرص هذه الوحدات على تقديم تصريحاتها الضريبية في المواعيد المحددة، مستغلة ثغرة قاتلة في نظام الرقابة الجبائية، حيث يركز التدقيق بشكل أساسي على محاولات تقليص الأرباح للتهرب الضريبي، بينما يمر “تضخيم” الأرباح غالبًا دون إثارة الشبهات الكافية.

الأكثر إثارة للقلق هو رصد تدفقات مالية هائلة إلى الحسابات الجارية للشركاء في هذه الشركات، في محاولة لإدماج ملايين الدراهم القذرة في الدورة الاقتصادية عبر واجهات قانونية وعمليات تجارية وهمية. وتشير التحقيقات الأولية إلى أن مسيري هذه الشركات، الذين لم يكن لعدد منهم أي تاريخ في التجارة أو إدارة الأعمال، حاولوا تضليل النظام المعلوماتي لإدارة الضرائب، الذي يركز تقليديًا على التلاعب بالتصريحات لخفض الضرائب. هذا التركيز الأحادي دفع ببارونات المخدرات إلى استغلال هذه الثغرة بإنشاء شركات وهمية لضخ أموالهم غير المشروعة فيها وتبييضها عبر دفع الضرائب المستحقة على الأرباح “المُضخمة”.

وقد بلغت خطورة هذه القضية حد إحالة الهيئة الوطنية للمعلومات المالية لـ 71 ملفًا على وكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية في كل من الرباط والدار البيضاء وفاس ومراكش، بالإضافة إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالرباط، بتهم تتعلق بغسل الأموال وتمويل الإرهاب. ويُظهر التقرير السنوي للهيئة لسنة 2023 ارتفاعًا مقلقًا في عدد الملفات المحالة على النيابة العامة بنسبة 31.48 في المائة. اللافت أيضًا هو أن قضايا التزوير وتزييف الكشوفات البنكية ووسائل الأداء مثلت نسبة كبيرة من القضايا المحالة، بالإضافة إلى حالات النصب والاحتيال، مع بروز تصنيفات جديدة مرتبطة بغسل الأموال عبر الرهان الرياضي والبيع الهرمي والعملات المشفرة.

وتوسعت تحقيقات الهيئة لتشمل ارتباطات مشبوهة بين هذه الشركات والبنوك والمحاسبين، الذين يُشتبه في تسهيلهم لعمليات الإخفاء المعقدة للأموال القذرة بعيدًا عن أعين الرقابة وتدابير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وقد كشف التدقيق في الوضعية الجبائية لهذه الشركات عن التزامها الكامل بدفع الضرائب على الشركات وتحويل مبالغ الضريبة على القيمة المضافة بانتظام، وهو ما زاد من شكوك المحققين، خاصة عند مقارنة وضعها المالي بأوضاع السوق والشركات المنافسة في نفس القطاعات التجارية.

هل ستكشف هذه التحقيقات عن حجم الكارثة الاقتصادية والأخلاقية التي تسببت بها هذه الشبكة؟ وهل ستنجح العدالة في استئصال هذا الورم الخبيث الذي يهدد الاقتصاد الوطني؟ الأيام القادمة ستكشف المزيد من الحقائق المروعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى