في مشهد غير مألوف، لجأ رئيس الحكومة عزيز أخنوش إلى استدعاء منسقة قيادة حزب الأصالة والمعاصرة، فاطمة الزهراء المنصوري، وأمين عام حزب الاستقلال، نزار البركة، إلى وجبة إفطار رمضانية، في محاولة لتلطيف الأجواء السياسية الملبدة بالتوترات. كانت الدعوة تأتي في وقت حساس، حيث كان التحالف الحكومي يعيش على وقع سلسلة من الصراعات والاتهامات المتبادلة بين أطرافه. ورغم الأجواء الرمضانية التي قد توحي بحلول لمشاكل سياسية، إلا أن ما حدث بعدها كان كاشفًا عن أن هذا اللقاء لم يكن سوى محاولة سطحية لحفظ ماء الوجه وسط بحر من الخلافات العميقة التي تهدد استقرار الحكومة المغربية.
بمجرد انتهاء وجبة الإفطار الرمضانية، خرج نزار البركة ليؤكد أن حزب الاستقلال سيواصل هجومه على مسودة القانون الجنائي للحكومة، معبرًا عن دعمه القوي لمواقف المحامين الاستقلاليين الذين اعتبروا أن المشروع الحكومي لا يوفر شروط المحاكمة العادلة. هذا الموقف كشف عن حقيقة أن اللقاء الرمضاني لم ينجح في تهدئة الأجواء، بل ربما زاد من تعقيد العلاقة بين الأطراف السياسية المختلفة، لاسيما بين حزب الاستقلال وحزب الأحرار.
لقد كانت دعوة الإفطار في ظاهرها خطوة لرأب الصدع بين شركاء التحالف، لكنها في الحقيقة، وعند التدقيق، كشفت عن عمق الخلافات التي تنخر الحكومة. فقد أصبح واضحًا أن التفاهمات التي كانت تجمع الأحزاب الثلاثة: حزب الاستقلال، حزب الأحرار، وحزب الأصالة والمعاصرة، بدأت تتفكك مع مرور الوقت، بسبب تضارب المصالح، وتزايد التوترات بين قادتها.
في الفترة الأخيرة، أصبح الحديث عن الخلافات بين حزب الأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة أكثر صراحة، حيث بدا أن العلاقة بين رئيس الحكومة عزيز أخنوش والوزير السكوري من حزب الأصالة والمعاصرة تتسم بشيء من السرية، خاصة بعد أن تعرض السكوري لتوبيخات علنية من حزبه بسبب أداءه الوزاري، و تغييب قيادة الحزب عن حوار الشتغيل الذي سلب منه،وهو ما يضعف مكانته داخل الحكومة. من جانب آخر، كانت وزيرة الطاقة، ليلى بنعلي، من بين الشخصيات التي شعرت بالاستبعاد من الحوارات الحكومية الكبرى، بعد أن تم إقصاؤها من لقاء مهم يتعلق بسياسات الطاقة المتجددة، ما أعاد إلى الأذهان الانقسامات الداخلية داخل التحالف.
إضافة إلى هذه الصراعات الوزارية، هناك عنصر آخر يعزز من تعقيد المشهد، وهو التنافس الانتخابي المتصاعد بين الأحزاب الثلاثة. فمع اقتراب استحقاقات الانتخابات البرلمانية لعام 2026، بدأ كل حزب في العمل على تعزيز مكانته الانتخابية، وهو ما يزيد من حدة التوترات، خاصة مع التصريحات السياسية المتهورة والمواقف المتناقضة التي باتت تظهر بين الحين والآخر.
في هذا السياق، يُلاحظ أن حزب الاستقلال أصبح في وضع لا يحسد عليه. فبعد أن عبر عن موقفه المناهض للمشروع الحكومي في العديد من المناسبات، بدأ يلوح في الأفق احتمال خروج الحزب من التحالف الحكومي، خاصة إذا استمرت الضغوطات من داخله ومن خارجه. ففي تصريح له بعد الإفطار الرمضاني، أكد نزار البركة أن موقف حزب الاستقلال لن يتغير تجاه مسودة القانون الجنائي، وأنه سيدافع عن ما يعتبره حقوق المواطنين في محاكمة عادلة. هذا الموقف قد يعكس بداية تحول في استراتيجية الحزب، الذي قد يرى أن استمراره في التحالف أصبح يضر بمصداقيته السياسية في نظر قاعدته الشعبية.
من ناحية أخرى، يبدو أن حزب الأحرار، بقيادة عزيز أخنوش، يتجه نحو تحصين موقعه في الحكومة، وهو ما يعكس رغبة قوية في الحفاظ على القيادة والتحكم في مفاصل الحكومة. لكن في الوقت نفسه، فإن استمرار الخلافات مع باقي شركاء التحالف يعرضه لضغوطات كبيرة قد تؤثر على قدرته في الحفاظ على وحدة الأغلبية.
المعضلة الأكبر تكمن في حزب الأصالة والمعاصرة الذي يعاني من انقسامات داخلية حول كيفية التعامل مع الوضع الحالي. ففي وقت يعاني فيه الحزب من تحديات على مستوى الأداء الحكومي، يواجه ضغوطًا داخلية من وزرائه ومؤيديه الذين بدأوا يعبّرون عن استيائهم من أسلوب القيادة السياسية. إذ بينما كان الحزب يعد من أبرز الداعمين لحكومة أخنوش، فإن مستقبله السياسي في هذا التحالف أصبح محل شك، خاصة مع تصاعد الانتقادات ضد أدائه الحكومي.
الحديث عن الانتخابات المقبلة في 2026 أصبح أكثر إلحاحًا، حيث يسعى كل حزب إلى تأكيد مكانته في الساحة السياسية استعدادًا لهذه المحطة الهامة. في هذا السياق، يمكن القول إن الصراعات الداخلية بين أحزاب التحالف تشكل تهديدًا حقيقيًا لاستقرار الحكومة، حيث يسعى كل طرف إلى الحصول على نصيب الأسد من النفوذ، وهو ما يهدد استمرارية هذا التحالف في شكله الحالي.
في الختام، يبدو أن الأوضاع السياسية في المغرب تتجه نحو مزيد من التوتر، مع قرب موعد الانتخابات البرلمانية في 2026. الخلافات بين الأحزاب المتحالفة قد تؤدي إلى انفجار سياسي في أي لحظة، فالمستقبل القريب سيكشف ما إذا كانت هذه التحالفات ستصمد أم ستنهار تحت وطأة الصراعات الداخلية والتحديات الانتخابية.





